zoomText
  • A
  • A
  • A
AR  - DE  - EN  - ES  - FR  - IT  - PL  - PT

 الزِّيارة الرَّسوليَّة إلى الجزائر والكاميرون وأنغولا وغينيا الاستوائيَّة

13-23 نيسان/أبريل 2026

 

كلمة قداسة البابا لاوُن الرَّابع عشر

في اللقاء مع السُّلُطات وممثِّلي المجتمع المدنيّ والسِّلك الدِّبلوماسيّ

في القصر الرّئاسيّ – لواندا (Luanda)

18 نيسان/أبريل 2026

[Multimedia]

_____________________________

 

السّيّد الرّئيس،

السّلطات وأعضاء السّلك الدّبلوماسيّ المحترمين،

سيّداتي، سادتي،

إنّه لفرح كبير لي أن أكون بينكم. شكرًا، السّيّد الرّئيس، على دعوتكم لي لزيارة أنغولا وعلى كلمات التّرحيب التي تفضّلتم بها. آتي إليكم لألتقي بشعبكم، حاجًّا يبحث عن علامات لطريق الله في هذه الأرض التي أحبّها.

قبل أن أواصل كلمتي، أودّ أن أؤكّد لكم صلاتي من أجل ضحايا الأمطار الغزيرة والفيضانات التي ضربت منطقة بنغيلا (Benguela)، وأُعرب أيضًا عن قُربي من العائلات التي خسرت بيوتها. أعلم أيضًا، أنتم شعب أنغولا، أنّكم متّحدون في سلسلة تضامن كبيرة مع النّاس المتضرّرة.

أرغب في لقائكم في مجّانية السّلام، وأعترف بأنّ شعبكم يمتلك كنوزًا لا تُباع ولا تُنهَب. فهو يحمل في ذاته فرحًا لم تستطع حتّى أقسى الظّروف أن تُطفئه. هذا الفرح، الذي يعرف أيضًا الألم والغضب وخيبات الأمل والهزائم، يبقى ويولد من جديد لدى من حافظوا على قلوبهم وعقولهم حرّة من خداع الغنى. وأنتم تعلمون جيّدًا أنّه كثيرًا ما نظروا، وما زالوا ينظرون، إلى بلدكم إمّا لإعطائها أو، في الغالب، لأخذ شيء منها. يجب كسر هذه السّلسلة من المصالح التي تحصر الواقع والحياة نفسها في سلعة للمقايضة.

أفريقيا، بالنّسبة إلى العالم بأسره، هي أرض احتياط فيها الفرح والرّجاء، ولا أتردّد في القول إنّهما فضيلتان في السّياسة أيضًا، لأنّ شبابها وفقراءها ما زالوا يحلمون ويرجون، ولا يكتفون بما هو موجود، بل يرغبون في النّهوض والاستعداد لمسؤوليات كبار، والانخراط شخصيًّا في العمل. حكمة الشّعوب لا تسمح لأيّة أيديولوجيا أن تطفئها، والشّوق إلى اللامتناهي الذي يسكن قلب الإنسان هو مبدأ لتحوّل اجتماعيّ أعمق من أي برنامج سياسيّ أو ثقافيّ. أنا هنا بينكم في خدمة أفضل الطّاقات التي تُحيي الأشخاص والجماعات التي تتكوّن منها أنغولا في فسيفساء زاهية الألوان. أودّ أن أُصغي إليكم وأشجّع كلّ من سبق واختار الخير والعدل والسّلام والتّسامح والمصالحة. وفي الوقت نفسه، ومع ملايين الرّجال والنّساء ذوي الإرادة الصّالحة الذين هم الثروة الأولى لهذا البلد، أريد أيضًا أن أدعو إلى توبة الذين يختارون طرقًا معارضة ويعيقون نموّه في الانسجام والأخُوّة.

أيّها الأعزّاء، لقد أشرتُ إلى الثّروات المادية التي تمتدّ إليها أيادي أصحاب المصالح المتسلّطة، حتّى في بلدكم. كم من المعاناة، وكم من الموت، وكم من الكوارث الاجتماعيّة والبيئيّة تحمل هذه العقليّة الاستغلاليّة المفرطة! نرى اليوم، في كلّ مكان، كيف يغذّي البعض نموذجًا للتنمية يميّز ويُقصي، ومع ذلك يدَّعون أنّه النّموذج الوحيد الممكن. لقد ندّد البابا القدّيس بولس السّادس، قبل ستّين سنة، وهو يقرأ بعمق قلق الشّباب في العالم، "بالطّابع الهرِم، الذي أصبح متجاوزًا، لحضارة تجاريّة، مبنيّة على المتعة والماديّة، لا تزال تحاول أن تقدّم نفسها كحاملة للمستقبل". وأضاف: "في مواجهة هذا الوَهم، تعبّر ردّة الفعل الغريزية لكثير من الشّباب، رغم تجاوزاتها، عن قيمة حقيقيّة. هذا الجيل ينتظر شيئًا آخر" (الإرشاد الرّسوليّ، ابتهجوا في الرّبّ، 6). أنتم شهود، بفضل حكمتكم العريقة التي تغذّي فكركم ومشاعركم، على أنّ الخليقة هي انسجام في غنى التنوّع. وقد عانى شعبكم كلما كان اعتداء على هذا الانسجام بفعل تسلّط البعض، وهو يحمل ندوب الاستغلال المادي وفرض فكرة على حساب أخرى. أفريقيا بحاجة ملحّة إلى تجاوز أوضاع وظواهر الصّراع والعداء التي تمزّق النّسيج الاجتماعيّ والسّياسيّ في كثير من البلدان، وتغذّي الفقر والإقصاء. باللقاء والحوار فقط تزدهر الحياة. البداية هي الحوار، وهذا لا يستبعد الاختلاف الذي قد يتحوّل إلى صراع.

قدّم لنا سلفي الجليل، البابا فرنسيس، قراءة لا تُنسى لهذا الوضع، قال: "أمام الصّراع يكتفي البعض بمجرّد النّظر إليه ثمّ يمضون وكأنّ شيئًا لم يكن، ويغسلون أيديهم ويستمرّون في حياتهم. وغيرهم يدخلون في الصّراع بطريقة تجعلهم أسرى فيه، فيفقدون رؤية الأفق، ويُسقطون على المؤسّسات ارتباكاتهم وعدم رضاهم، وهكذا تصبح الوحدة مستحيلة. لكن هناك طريقة ثالثة، وهي الأجدر، لمواجهة الصّراع: وهي أن ندخل فيه، ونعالجه، ونحوّله إلى حلقة وصل في مسار جديد. "طوبى لصانعي السّلام" (متّى 5، 9)" (الإرشاد الرّسوليّ، فرح الإنجيل، 227). يمكن لأنغولا أن تنمو كثيرًا إذا آمنتم أوّلًا، أنتم أصحاب السّلطة في البلاد، بتنوّع غناها. لا تخافوا من الاختلاف، ولا تطفئوا رؤى الشّباب وأحلام الشّيوخ، بل أحسنوا إدارة الصّراعات وحوِّلوها إلى مسارات للتجدّد. قدّموا الخير العام على المصالح الخاصّة، ولا تخلطوا أبدًا بين مصلحتكم الخاصّة والمصلحة العامّة. حينئذٍ سينصفكم التّاريخ، حتّى وإن عارضكم البعض في الحاضر.

تكلّمت على الفرح والرّجاء اللذين يميّزان مجتمعكم الشّاب. وغالبًا ما يُنظر إليهما على أنّهما مشاعر شخصيّة وخاصّة. لكنّهما في الواقع قوّة مكثّفة تسعى للانتشار، تقاوم كلّ استسلام وكلّ نزعة إلى الانغلاق. إنّ الطّغاة والمستبدّين، في الجسد والرّوح، يسعون إلى إبقاء النّفوس سلبيّة والعواطف حزينة، ميّالة إلى الخمول، مطيعة وخاضعة للسُّلطة. ففي الحزن نصير تحت رحمة مخاوفنا وأوهامنا، فنلجأ إلى التعصّب، والخضوع، وضجيج الإعلام، وسراب الذهب، وأسطورة الهوية. التذمّر، والشّعور بالعجز والاقتلاع من الجذور، يفرّقنا بدلًا من أن يقرّبنا من بعضنا البعض، وينشر مناخًا من اللامبالاة تجاه الشّأن العام، واحتقار مصائب الآخرين، وإنكار كلّ أخوّة. إنّ هذا التنافر يفتّت العلاقات الأساسيّة التي يقيمها كلّ واحد مع ذاته، ومع الآخرين، ومع الواقع. وكما لاحظ البابا فرنسيس أيضًا: "إنّ أفضل طريقة للسيطرة والتقدّم دون حدود هي بثّ اليأس والاستمرار في إثارة عدم الثّقة، حتّى وإن تنكّرت بزيّ الدّفاع عن قِيَم معيّنة. وتُستخدم اليوم الآلية السّياسيّة، في العديد من البلدان، لإثارة الغضب والتّصعيد والاستقطاب" (رسالة بابويّة عامّة، كلّنا إخوة، 15).

الفرح الحقيقي يحرّرنا من الاغتراب، وليس صدفة أنّ الإيمان يعترف بالفرح عطيّة من الرّوح القدس. كتب القدّيس بولس: "أَمَّا ثَمَرُ الرُّوح فهو المَحَبَّةُ والفَرَحُ والسَّلام" (غلاطية 5، 22). الفرح يُنعش الحياة ويدفعنا إلى الانفتاح على المجتمع: يفرح الإنسان عندما يستثمر قدراته، ويساهم في الخير العام، ويُعترف به كشخص فريد كريم في مجتمع يقوم على اللقاء مرارًا وعلى إيجاد روح رحبة. الفرح يشقّ طرقًا حتّى في أشدّ اللحظات ظلمة وضيقًا. فلنفحص قلوبنا، أيّها الأحبّاء، لأنّه بدون فرح لا يوجد تجديد، وبدون حياة في داخلنا لا توجد حرّيّة، وبدون لقاء لا توجد سياسة، وبدون الآخر لا تتحقّق العدالة.

معًا يمكنكم أن تجعلوا من أنغولا مشروع رجاء. والكنيسة الكاثوليكيّة، التي أعلَم مدى تقديركم لخدمتها في البلاد، تريد أن تكون خميرة في العجين، وأن تعزّز نمو نموذج عادل للعيش المشترك، محرَّرٍ من العبوديات التي تفرضها النّخبة التي تملك مالًا كثيرًا، وأفراحًا زائفة. معًا فقط نستطيع أن نُنمّي مواهب هذا الشّعب الرّائع، بدءًا بأطراف المدن والمناطق الرّيفيّة البعيدة حيث تنبض الحياة ويتكوَّن المستقبل. يجب إزالة العوائق أمام التّنمية الإنسانيّة المتكاملة، فنجاهد ونرجو مع الذين رفضهم العالم لكن الله اختارهم. هكذا وُلد رجاؤنا: "الحَجَرُ الَّذي رَذَلَه البَنَّاؤُون، قد صارَ رأسَ الزَّاوِيَة" (مزمور 118، 22)، يسوع المسيح، كمال الإنسان والتّاريخ.

ليبارك الله أنغولا! شكرًا!

***********

© جميع الحقوق محفوظة – حاضرة الفاتيكان 2026