zoomText
  • A
  • A
  • A
AR  - DE  - EN  - ES  - FR  - IT  - PL  - PT

رسالة بابويّة عامّة

الإنسانيّة الرّائعة

MAGNIFICA HUMANITAS

لقداسة البابا لاوُن الرّابع عشر

في حماية الإنسان

في عصر الذّكاء الاصطناعيّ

[Multimedia]

___________________________

المقدّمة

1. الإنسانيّة الرّائعة التي خلقها الله تقِفُ اليومَ عند مفترَقِ طرُقٍ وعليها أن تختار: إمّا أن تبني برجَ بابل جديدًا وإمّا أن تبني المدينة حيث يسكن الله والإنسانيّة معًا. كلّ جيل يرث مهمّة تكوين عصره: فيجعل التّاريخ ينضج ويصير مكانًا تُحفظ فيه كرامة كلّ إنسان، ويُعزّز العدل، وتتحقّق الأخوّة. لكن، كلّ عصر أيضًا يواجه خطر بناء عالم غير إنسانيّ وفيه مزيد من الظّلم. وحيثما تتعرّض البشريّة لخطر فقدان هويّتها، نرفع نحن المسيحيّون عيوننا إلى الله الذي تجسّد، عارفين أنّه "لا تُلقى الأضواء الحقّة على سرّ الإنسان إلّا بسرّ الكلمة المتجسّد" [1]. هذه الإنسانيّة الرّائعة، في يسوع المسيح، تصير الطّريق والحقّ والحياة، وتفتح لكلّ واحدٍ منّا الطّريق للنموّ وبلوغ ملء الحياة.

2. نحن مؤسَّسون على المسيح، الحجر الحَيّ، ونعرف عمل الرّوح القدس القويّ والسِّرّي، ونؤمن بأنّ كلّ جهد بشريّ حقيقيّ للتعاون معه من أجل الخير سيباركه الآب السّماوي، الذي نضع فيه رجاءنا. ولهذا يمكننا أن نساهم بجدّيّة في جميع المبادرات التي تبني عالمًا فيه مزيد من العدل، ويمكننا أن ندعو الآخرين إلى التّعاون معنا في تعزيز التّنمية الشّاملة لكلّ إنسان. نريد الدّخول في حوار مع جميع رجال ونساء عصرنا، الذين نشاركهم في أحداث البشريّة وأسئلتها وتطلّعاتها. [2] ونريد أن نكتشف، معهم، طرقًا جديدة من أجل الخير العام وتعزيز حياة كريمة للجميع. هذا الموقف من الحوار هو جزء لا يتجزّأ من دعوة الكنيسة، لأنّها، لكونها "في المسيح، فهي نوعًا ما سرٌّ وعلامةٌ (Sacramentum) [...] للاتّحاد الوثيق مع الله ووَحدة الجنس البشريّ بأسره" [3]، وترى في التّاريخ المكان الذي يخاطب فيه الإنجيل الخبرة البشريّة ويرافقها.

3. وبهذه الرّوح، نشر البابا لاوُن الثّالث عشر سنة 1891 الرّسالة البابويّة العامّة ”الشّؤون الجديدة-Rerum novarum“، التي نحتفل هذه السّنة بمرور 135 سنة على نشرها بشكرٍ عميق. وبهذه الوثيقة، بدأ سَلفي العزيز تلك التأمّلات في المجتمع والاقتصاد والسّياسة، ما نسمّيه اليوم ”تعليم الكنيسة الاجتماعيّ“. وعندما اعترض البعض بأنّ الكنيسة ينبغي ألّا تضيّع طاقاتها في قضايا دنيويّة، بل عليها أن تهتمّ بنقل رسالة الحياة الأبديّة، أجاب بواقعيّة وحكمة بأنّ إعلان الإنجيل لا يمكن أن ينسى حياة الشّعوب العمليّة. [4] لقد مرّت الآن عقود عديدة منذ ذلك الحين، وواصلت سلطة الكنيسة التّعليميّة والرّعاة واللاهوتيّون والمؤمنون التّفكير في القضايا الاجتماعيّة في ضوء الإنجيل. اليوم، يُعدّ تعليم الكنيسة الاجتماعيّ تراثًا من الحكمة، نجد فيه مبادئ للتفكير، ومعايير للتمييز والحكم، وتوجيهات واقعيّة للعمل. يستند هذا التّعليم إلى الكتاب المقدّس والتّقليد، ويساعدنا، في حوار مع العلوم، على قراءة تحدّيات الحاضر بوضوح، وعلى تحديد مسارات مناسبة لنعيش شهادةً مسيحيّةً صافية، بفرحٍ وفي خدمة العالم. ليس هذا التّعليم مجموعة ثابتة من المفاهيم، بل هو مجموعة حيّة من الحقائق، تحفظ وتفسّر دعوة البشريّة إلى حياة كاملة وعادلة. لذا أودّ أن أضيف صوتي إلى هذا التّقليد الحَيّ، مستعينًا بروح الحكمة الذي يسكن العالم منذ بدايته (راجع أمثال 8، 22-31).

الشّؤون الجديدة في عصرنا

4. إن كان البابا لاون الثّالث عشر قد تحدّث في زمنه على ”الشّؤون الجديدة-Rerum novarum“، فإنّنا اليوم لا نستطيع أن نكتفي بتكرار تعاليمه الثّمينة، بل علينا أن نطلب من الله الحكمة لتفسير التّيّارات الكبرى للمعرفة في عصرنا، ولا سيّما التّقدّم التّقنيّ. في السّنوات الأخيرة، صار من الواضح بصورة متزايدة بأيّة سرعة وبأيّ عمق تُغيِّرُ عالمَنا المعرفةُ الرّقميّة والذّكاءُ الاصطناعيّ والرّوبوتات. يجب ألّا نعتبر التّكنولوجيا، في حدّ ذاتها، قوّة معادية للإنسان. بل العكس، إنّها متجذّرة في تاريخنا منذ البداية، باعتبارها "واقعًا إنسانيًّا عميقًا، مرتبطًا بحرّيّة الإنسان واستقلاله" [5]. لقد ساهم التّطوّر التّكنولوجيّ على مرّ القرون في تحسين ظروف معيشة البشريّة بشكل كبير، وفي الوقت نفسه، أظهرت كلّ مرحلة من مراحل التّقدّم أيضًا الجانب الملتبس للأدوات القادرة على إحداث الضّرر عندما لا توجّه نحو الخير. ومع ذلك، نجد أنفسنا اليوم أمام وضع جديد، حيث تتغلغل قوّة وانتشار التّقنيّات النّاشئة في نسيج الحياة اليوميّة، وفي عمليّات اتّخاذ القرار، وتؤثّر بعمق على المخيّلة الجماعيّة: "لم يسبق للبشريّة أن امتلكت مثل هذا السّلطان على نفسها" [6]. التّكنولوجيّات الجديدة تفتح آفاقًا تمتدّ في اتّجاهات مختلفة، يمكن أن نراها، لكن لا نستطيع التّنبّؤ بها حتّى الآن بصورة كاملة. وهذا يجعل تقييم تأثيرها وآثارها على المدى الطّويل على كرامة الإنسان وعلى الخير العام أمرًا أكثر تعقيدًا.

5.  حان الان دورنا لنتحمّل تحدّيات عصرنا بوعيٍ ومسؤوليّة. من الضّروري أن نعتمد أدوات تنظيميّة ملائمة، قادرة على حماية العدل واحتواء الآثار المشوّهة للسُلطة التّكنولوجيّة. لكنّ المسألة لا تقتصر على التّنظيم. وكما حذّر البابا فرنسيس، علينا أن نسأل أنفسنا بواقعيّة من يمتلك هذه السُّلطة اليوم ولأيّ غايات يوجّهها: "لا يمكننا أن نتجاهل أنّ الطّاقة النّوويّة، والتّكنولوجيا الحيويّة، وعلوم الحاسوب، ومعرفة الحمض النّووي الخاصّ بنا، وغيرها من القدرات التي اكتسبناها [...] تمنح الذين يملكون المعرفة، وخاصّة القدرة الاقتصاديّة على استخدامها، هيمنة مدهشة على البشريّة عامّة، وعلى العالم بأسره" [7]. في الماضي، كانت الدّول هي التي تقود وتوجّه الابتكار بشكل أساسيّ. أمّا اليوم، فإن المحرّكات الرّئيسيّة للتنمية هي جهات فاعلة خاصّة، تكون مرارًا عابرة للأوطان، وتتمتّع بموارد وقدرات تدخُّل تفوق التي تمتلكها العديد من الحكومات. وهكذا تتّخذ القوّة التّكنولوجيّة وجهًا جديدًا، ”خاصًّا“ في الغالب، ولهذا يصير من الأصعب تمييزها وإدارتها وتوجيهها نحو الخير العام.

6. لهذا، من الضّروري الشّروع في تمييز مشترك قادر على اختراق الجذور الرّوحيّة والثّقافيّة للتحوّلات الجارية. إن اقتصرنا على الظّروف الطّارئة، فإنّنا نوشك أن نترك سلسلة الطّوارئ تقرّر بدلًا عنّا اتّجاه المسار. نحن نعيش مرحلة انتقاليّة سريعة، ”تحوّلًا عصريًّا“، حيث يبقى معظم النّاس في انتظار، يراقبون من بعيد ويأملون ببساطة أن تسير الأمور نحو الأفضل، بينما يتنافس البعض على مستقبل التكنولوجيّات الجديدة ويقوم آخرون بالتّفكير فيها. ولهذا السّبب بالذّات، تفرض نفسها على وعينا الأسئلة الحاسمة التي لم يعد من الممكن تجنّبها: إلى أين نحن ذاهبون؟ نحو أيّ هدف نريد أن نتوجّه؟ أيّ اتّجاه نختار كمجتمع بشريّ وكشعوب؟

رمزان من الكتاب المقدّس

7. للإجابة على هذه التّساؤلات، ولتحديد كيفيّة العيش بمسؤوليّة في عصر الذّكاء الاصطناعيّ، أودّ أن أشير إلى صورَتين من الكتاب المقدّس: بناء برج بابل (راجع تكوين 11، 1-9) وإعادة بناء أسوار أورشليم (راجع نحميا 2-6). في سفر التّكوين، تقع قصّة بابل في أصل البشريّة، مباشرة بعد سلالات أبناء نوح. قرّر البشر، الذين استقرّوا في سهل شِنْعار، بناء مدينة وبرج "رَأسُه في السَّماء" (تكوين 11، 4). فهم يريدون بذلك ضمان الاستقرار والسُّلطة، وقبل كلّ شيء أن ”يقيموا لهم اسمًا“، خوفًا من أن يتشتّتوا على الأرض. تبدو المهمّة ضخمة: لغة واحدة، وتكنولوجيا واحدة، واتّجاه واحد. ومع ذلك، يخفي المشروع خطرًا عميقًا: إنّه عمل تمّ تصوّره دون الإشارة إلى الله، وهو مدعوم بتوحيد يقضي على التّنوّع ويختار التّماثل بدلًا من الائتلاف بين المتنوّعين. عندما تُبنى المدينة على الكبرياء والادّعاء بالاكتفاء الذّاتيّ، ينقطع التّواصل، وتختلط اللغات، ولا يعود البشر يفهمون بعضهم بعضًا. والنّتيجة ليست الوَحدة، بل التّشتّت. وهكذا تكشف بابل حدود كلّ بناء، مهما كان عظيمًا، ينشأ من إضفاء الطّابع المطلق على الإنسان وادّعائه بالاكتفاء الذّاتيّ، ويضحّي بكرامة الإنسان من أجل الكفاءة والإنتاج، ويسعى إلى بلوغ السّماء دون بركة الله.

8. بدأ سفر نحميا بدوره في لحظة من الضّعف الشّديد في تاريخ إسرائيل القديم. بعد جلاء بابل، عاد جزء من الشّعب إلى أورشليم، لكن المدينة ما زالت في حالة خراب، وقد انهارت الأسوار واحترقت البوّابات (راجع نحميا 1-2). نحميا، وهو يهوديّ في خدمة الملك الفارسي أَرتَحْشَشْتا، تلّقى نبأ الحالة المزرية لمدينة الآباء. قبل أن يتصرّف، صام، وصلّى، وتشفّع من أجل الشّعب، ثمّ طلب من الملك أن يأذن له بالعودة إلى أورشليم، وعند وصوله إلى المكان، أخذ يفحص بهدوء الأماكن المدمّرة. لم يفرض حلولًا من أعلى. بل دعا العائلات، وعهد إلى كلّ منها بجزء من السّور لإعادة بنائه، واستمع إلى مخاوفهم، ونسّق الجهود، وواجه المعارضة. تُظهر الرّواية كيف وُلِدَت المدينة من جديد، ليس بفضل مبادرة شخص واحد، بل بالمسؤوليّة المشتركة للشّعب كلّه: الكهنة، والحرفيّون، وأرباب الأسر، والنّساء، والشّباب. إنّه عمل يضع الله في المقام الأوّل، ويعيد بناء الرّوابط قبل الحجارة. وهكذا استعادت أورشليم القديمة لغة مشتركة، ليست لغة التّماثل بلغة واحدة مفروضة من فوق، بل بلغة العيش المشترك: الانسجام الذي ينشأ عندما يتحمّل كلّ واحد مسؤوليّته ويعترف كلّ الشّعب بأنّ قوّته تأتي من الله.

9. في ضوء هاتَين الصّورَتَين، يدعونا الرّوح القدس اليوم إلى أن نفكّر في علاقتنا بالتّكنولوجيا والثّورة الرّقميّة التي نعيشها الآن. الاكتشافات العلميّة هي موهبة أُعطيت للبشريّة لكي تستثمرها (راجع متّى 25، 14-30). يمكن للتكنولوجيا أن تعالج، وتربط، وتثقّف، وتحافظ على بيتنا المشترك، ويمكنها أيضًا أن تفرّق، وتهمّش، وتولّد مظالم جديدة. من النّاحية النّظريّة، هي ليست في حدّ ذاتها حلًّا لمشاكل الإنسانيّة، كما أنّها ليست في حدّ ذاتها شرًّا، ولكن، من النّاحية العمليّة، هي ليست محايدة، لأنّها تتّخذ وجهَ الذي يفكّر فيها، ويموّلها، وينظّمها، ويستخدمها. لهذا السّبب، فإنّ الخيار الأوّل ليس بين ”نَعم“ أو ”لا“ للتكنولوجيا، بل بين بناء بابل أو إعادة بناء أورشليم: بين سُلطة تدّعي السّيطرة على السّماء، وبين شعب، في حضور الله، يشرع في العمل متّحدًا لإعادة بناء أسوار العيش الأخويّ معًا.

10. لنضع جانبًا، إذن، ”صورة بابل“: صنم الرّبح الذي يضحّي بالضّعفاء، ويأمر بالتّسوية الشّاملة حيث الكلّ يخضع لواحد، فتُلغَى الاختلافات، ويظهر معه الادّعاء بوجود لغة واحدة – حتّى رقميّة – قادرة على ترجمة كلّ شيء، حتّى سرّ الإنسان، في بيانات وإنجازات قابلة للقياس. هذا هو خطر تجريد العمل من الإنسانيّة، وبناء المستقبل من دون الله وتقليص الآخر إلى مجرّد وسيلة. إنّها تجربة قديمة وجديدة دائمًا، تتّخذ اليوم أيضًا شكلًا تقنيًّا. ليكن اختيارنا اليوم إذن، بدلًا من ذلك، ”طريقة نحميا“، الذي يُظهر قيمة العمل المشترك من أجل جعل مدينة الله آمنةً للمنفيّين العائدين. أي إعادة البناء مع الاعتراف بتعدّد الأصوات والرّؤى، وقد يبدو للبعض أنّ ذلك سبب تشتّت في الألسن، لكنَّ فيه أيضًا نورًا مشتركًا يجعل البناء معًا ممكنا، ويحوِّل التّنوّع إلى مورد، ويجعل الاصغاء والحوار أرضيّة مشتركة ينمو عليها العدل والأخوّة. وفي إطار هذا العمل المشترك، يجد المسيحيّون طريقتهم الخاصّة في البناء: لتوجيه العمل نحو الله، فلا تؤدّي التّعدّديّة في ضوئه إلى فوضى، بل تصير، في ممارسة السّينوديّة، المكان الذي تستعيد فيه البشريّة أسسها الرّاسخة وغايتها النّهائيّة. في سفر الرّؤيا، رأى يوحنّا أورشليم الجديدة "نازِلَةً مِنَ السَّماءِ مِن عِندِ الله" (رؤيا يوحنّا 21، 2) عطيّة لكلّ الإنسانيّة. وهذه الرّؤية المملوءة نعمة هي بالنّسبة إلينا نحن المسيحيّين دعوة لنعمل معًا، وننمِّي حياةً مشتركة يسودها السّلام والعدل والكرامة في ”مدن“ اليوم.

البناء في الخير

11. إذن، إنّ بناء مدينة قائمة على الخير العام يتطلّب، في المقام الأوّل، أن تُبنى على صخرة العلاقة مع الله. والاعتراف بأنّ حقيقة محبّته تدعونا إلى الحياة ”الوافرة“ (راجع يوحنّا 10، 10) وإلى الوَحدة والشّركة معه. مع القدّيس أَغُسطِينُس، يمكننا نحن أيضًا أن نقول: "خلقتنا لك، يا ربّ، ولن يهدأ قلبنا حتّى يستريح فيك" [8]. فقد كتب الله في قلوبنا الرّغبة في السّعادة، تشمل جميع أبعاد الحياة، وتشعر الكنيسة، في حوارها مع رجال ونساء عصرنا، بالحاجة الملحّة إلى الحفاظ على هذه التّطلّعات وتوجيهها نحو أعماق الحقيقة.

12. ثانيًا، البناء في الخير يعني قبول حدود البشريّة وضعفها دون اعتبارها خطأً يجب تصحيحه. اليوم، تواجه رغبة الإنسان في الكمال خطر الانحراف نحو أهداف خادعة: وَهْمُ تقنيّة تَعِدُ بتحريرنا من كلّ ضعف، أو نماذج للرفاهيّة تترك شعوبًا بأكملها غير متأثّرة بها. في كثير من الأحيان، نضع أملنا في قوّة لا حدود لها، وفي أشكال من التّقدّم قد تزيد التّفاوت بين النّاس، وفي حلول فوريّة عاجزة عن تضميد جراح الشّعوب. وهكذا، بينما يطارد البعض سرابًا في تأكيد الذّات اللامحدود، يبقى الكثيرون محرومين من ضروريّات الحياة. الكنيسة، بصوت متواضع ولكن حازم، تذكّر أنّ الإشباع الحقيقيّ لا ينشأ من إزالة الضّعف، بل من نموّ متناغم: حيث تتشابك الحرّيّة والمسؤوليّة مع العناية المتبادلة والتّضامن الحقيقيّ، وحيث يُقاس التّقدّم بكرامة كلّ فرد وبخير الشّعوب.

13. ثالثًا، بناء عالمٍ يستطيع فيه الجميع أن ”يزهروا“ يتطلّب مسؤوليّة مشتركة شجاعة. لا تكفي أيّ يدٍ بمفردها لتحمل ثقل التّحدّيات التي يواجهها العالم، ولا يوجد أحدٌ في غاية الضّعف فلا يستطيع تقديم مساهمته: "فإِنَّ القُدرَةَ تَبلُغُ الكَمالَ في الضُّعف" (2 قورنتس 12، 9). لكلّ واحد نصيبه في العمل: العلماء والباحثون، ورجال الأعمال والعمّال، والمعلّمون والمشرّعون، والمجتمع المدنيّ، والحركات الشّعبيّة، والمجتمعات الدّينيّة. هذا هو منطق الجهود في التّعاون المتبادل، بين الشّعوب، وبين التّخصّصات والثّقافات، إنّه الطّريق الرّئيسيّ لتعزيز الاستقرار والازدهار والسّلام. يجب ألّا تخيفنا التّوتّرات والاختلافات: قد تصير كلّها طاقات إبداعيّة عندما توجّهها مسؤوليّة مشتركة.

14. أخيرًا، يتطلّب البناء في الخير لغة إنجيليّة. لنتجنّب الكلام الذي يهين أو يثير التّنافر. ولنختر الوضوح الذي ينير والصّراحة التي تفتح الطّرق. لا نبارك الحماس السّاذج، ولا نغذّي المخاوف العقيمة. بل لنحدّد معايير التّمييز، وكرامة الإنسان، وغاية الخيرات الشّاملة، وخيار الفقراء، والعناية بالبيت المشترك، والسّلام، ولنترجمها إلى ممارسات: التّخطيط المسؤول، وتقييمات الأثر البشريّ والاجتماعيّ، وإدماج الأكثر ضعفًا، والمعرفة الرّقميّة، والبحث والصّناعة الموجّهين نحو العدل والسّلام.

يبقى كلّ واحد منّا إنسانًا

15. في اليوبيل العاديّ 2025 الأخير، سرنا حجّاجًا للرّجاء وامتلأنا بالنِّعَم. وبقوّة هذه العطايا، يمكننا المضيّ قدمًا بثقة في مواجهة المهام الشّاقّة والتّحدّيات الصّعبة التي تنتظرنا في المستقبل. في عصر الذّكاء الاصطناعيّ، حيث تتعرّض كرامة الإنسان لخطر التّهميش بسبب أشكال جديدة من التّجريد من الإنسانيّة، يقع على عاتقنا واجب ملحّ بأن نبقى إنسانيّين بعمق، وأن نحافظ بمحبّة على تلك الإنسانيّة الرّائعة التي أُعطيت لنا وكُشِفَت لنا في ملئها في المسيح، والتي لن تستطيع أيّة آلة أن تحلّ محلّها في روعتها. إنّ التّقدّم الحقيقيّ ينبع دائمًا من قلب منفتح على الآخرين، ومن عقل مستعدّ للإصغاء، ومن إرادة تبحث عمّا يوحِّد أكثر ممّا يفرِّق.

16. أتوجّه بنداء حارّ إلى جميع المؤمنين الكاثوليك، وإلى جميع المسيحيّين، وإلى جميع الرّجال والنّساء ذوي الإرادة الصّالحة: لا نخشَ أن تتّسخ أيدينا في ورشة زمننا. مثل نحميا، لنصلِّ ولنخطّط بحكمة، ولنعمل بمثابرة، ولنضع الله من جديد في أفق عملنا والإنسان في مركز خياراتنا. إذّاك ستصير الحجارة المرفوضة - الفقراء، والمرضى، والمهاجرون، والصّغار - حجر الزّاوية، وسيقوم على الأرض موطن مشترك متين ومضياف، حيث "الرَّحمَةُ والحَقُّ تَلاقَيا، والبِرُّ والسَّلامُ تَعانَقا" (المزمور 85، 11). هذه هي البركة التي نلتمسها من الله والمهمّة التي تنتظرنا: أن نكون بناة للتواصل، لا مهندسي بابل، وخدّامًا للملكوت الآتي، لا سادة لأبراج محكوم عليها بالانهيار. وبروح الرّاعي والأب، أطلب من الجميع أن يوقفوا بناء برج بابل الجديد، وأن يوحِّدوا قواهم لصنع الخير، حتّى لا تفقد البشريّة أبدًا جمالها، وحتّى يتمكّن العالم مرّة أخرى من معرفة المكان الذي يريد الله أن يسكن فيه، في قلب الإنسان.

الفصل الأوّل

فكر ديناميكيّ مخلص للإنجيل

17. في هذا الفصل الأوّل، أودّ أن أستعرض، بشكل موجز، المسار الذي تكوَّن من خلاله تعليم الكنيسة الاجتماعيّ في تعاليم الباباوات الأخيرة والمجمع الفاتيكانيّ الثّاني، لإظهار طابعها الدّيناميكيّ. في كلّ عصر، في الواقع، تحثّ ”الشّؤون الجديدة“ هذا التّعليم على مواجهة أسئلة التّاريخ في ضوء الحقيقة الموحى بها. لذلك، يجب فهم الذّكاء الاصطناعيّ أيضًا ليس كملحق موضوعيّ، أو كحالة طارئة يجب إدارتها، بل كتحوّل يطرح تساؤلات من الدّاخل حول فئات تعليم الكنيسة الاجتماعيّ ويطالب بتطويرها بشكل أكبر، في إطار الأمانة للإنجيل.

18. ومع ذلك، لن يكون هذا المسار مفهومًا حقًّا إن لم نوضح، قبل أن نتوقّف عند مساهمة كلّ حَبر أعظم على حدة وأهمَّ الوثائق، بعض المبادئ الأساسيّة في الطّريقة التي تعيش بها الكنيسة في التّاريخ وتتفاعل مع العالم. وبدون هذا التّوضيح، قد يبدو تعليم الكنيسة الاجتماعيّ وكأنّه تدخّل غير مبرّر في المسائل الزّمنيّة أو مدوَّنة أخلاقيّة خارجيّة تُفرض من الأعلى. في الواقع، ينبع هذا التّعليم من كنيسة تسير مع البشريّة، وتعترف باستقلاليّة الواقع الدّنيويّ والتّمييز بين الجماعة الكنسيّة والجماعة السّياسيّة، ولهذا السّبب بالذّات، تطمح إلى خدمة الخير العام.

كنيسة في مسيرة تاريخ البشريّة

19. الكنيسة، الحاضرة في العالم كعلامة وَحدة للعائلة البشريّة بأسرها، تدرك في أسئلة وتحدّيات العصر الحاليّ المكان الذي تمارس فيه دعوتها إلى الإصغاء والحوار والخدمة، متجاوبة مع كلّ ما يتعلّق بوجود رجال ونساء اليوم. هذا التّداخل في الحياة مع الشّعوب يجعلها تدرك أكثر فأكثر أنّ رسالتها لها أبعاد تاريخيّة وتنطوي على مسؤوليّة تجاه الطّريقة التي تُنسج بها العلاقات الاجتماعيّة. ولهذا السّبب لا يمكنها أن تعتبر نفسها غريبة عن الدّيناميّات التي يتكوَّنُ بها وجه المجتمع. بل إنّها تشارك بفعّاليّة في المسارات التي ينمو بها المجتمع وينّظم نفسه، وتقدّم مساهمتها في تحقيق تعايش فيه مزيد من العدل والأخوّة. وقد أشار البابا فرنسيس بقوّة إلى هذا البعد التّاريخيّ للرسالة الكنسيّة، مذكّرًا بأنّه "لا يمكن لأحد أن يطلب منّا حصر الدِّين في خصوصيّة الأفراد، دون أيّ تأثير على الحياة الاجتماعيّة والقوميّة، ودون الاهتمام بصحّة مؤسّسات المجتمع المدني، ودون الإدلاء برأي حول الأحداث التي تؤثّر على المواطنين" [9].

20. إنّ الدّعوة والالتزام بالسّير مع البشريّة في واقع التّاريخ يدفعان الكنيسة إلى الاعتراف بأنّ كلّ واقع الأرض له متانته ونظامه الخاصّ. وقد عبّر المجمع الفاتيكانيّ الثّاني بدقّة خاصّة عن هذا المبدأ في الدّستور الرّعائيّ في الكنيسة في عالم اليوم، ” فرح ورجاء“، وقد احتفلنا بشكر بذكرى مرور ستّين سنة على هذه الوثيقة في 7 كانون الأوّل/ديسمبر 2025: "إذا كان المقصود باستقلاليّة الشّؤون الأرضيّة هو أنّ الأشياء المخلوقة والمجتمع نفسه لها قوانين وقِيَم خاصّة بها […] فإنّ مطلب الاستقلاليّة هذا أمر مشروع". [10] ويُظهر هذا التّأكيد كيف أنّ الخلق يحمل في طيّاته صلاحًا أصليًّا يجب على النّظرة البشريّة أن تحفظه وتزرعه وتجعله ينضج. في هذا الأفق، تقدّم الكنيسة نفسها كحضور يساعد على قراءة الواقع بعمق، داعمةً بثبات متواضع كلّ الخيارات التي تعزّز كرامة كلّ إنسان، وتماسك المجتمعات، وخير الجميع. وهكذا تقف الكنيسة إلى جانب العالم دون أن تتداخل معه، حتّى يَنمُوَ في كلّ حدث إنسانيّ وعد العدل والسّلام الذي يواصل الرّوح القدس تعزيزه في قلب البشريّة.

21. وبما أنّنا ندرك أنّ الله يرافق حرّيّة البشر في صياغة التّاريخ، أكّد المجمع الفاتيكانيّ الثّاني على التّمييز بين الجماعة الكنسيّة والجماعة السّياسيّة، موضحًا أنّه على كلّ جماعة أن تعمل بأكبر قدر من الاستقلاليّة. وهكذا يتجلّى حضور الكنيسة في العالم أيضًا في علاقتها بالمجتمع المدنيّ والمؤسّسات العامّة. وفي حوارها معها، تعترف الكنيسة بقيمة الواقع الاجتماعيّ والسّياسيّ وتحترم مسؤوليّتها الخاصّة، داعمةً كلّ ما يحمي حياة النّاس ويعزّز أسس النّسيج الاجتماعيّ. وهي لا تدّعي تولّي المهام التي تقع على عاتق الدّولة، بل العكس، تقدّر خدمتها للخير العام وتعترف بقناعة بالمسؤوليّة التي تمارسها المؤسّسات المدنيّة في المجتمع. وفي الوقت نفسه، فإنّ الرّسالة الموكولة إليها تدفعها إلى ألّا تبقى بعيدة عن معاناة النّاس الملموسة في عصرنا. ولا ينبع قربها من نيّتها لتحلّ محلّ المؤسّسات، ولا من نقد ضمني لعملها، بل من المحبّة الإنجيليّة التي تدفعها إلى الاقتراب من جراح البشريّة في اللحظات التي تظهر فيها في أشدّ الحالات. وعندما تتدخّل، فإنّها تصنع ذلك على غرار السّامري الرّحيم، بتحفّظ ولطف، مدركة أنّ ما ينشأ عن حاجة ملحّة لا يمكن أن يتحوّل إلى قاعدة، ولا أن يحلّ محلّ المسؤوليّات المؤسّسيّة الخاصّة بالمجتمع المدني.

22. انطلاقًا من هذا الاعتراف المزدوج، استقلاليّة الأمور الدّنيويّة والتّمييز بين اختصاصات الجماعة الكنسيّة والجماعة السّياسيّة، يمكن أن نفهم التّوجّه الذي حدّده المجمع الفاتيكانيّ الثّاني للكنيسة في علاقتها بالعالم بشكل أفضل. تذكر الوثيقة ” فرح ورجاء-Gaudium et Spes“ أنّه "يعود إلى شعب الله، وبالأخصّ إلى الرّعاة واللاهوتيّين، أن يتفحّصوا بمساندةِ الرّوح القدس، ويميّزوا ويشرحوا الكلامَ المتنوّع الذي يتداوله عصرنا، وأن يحكموا عليه على ضوء الكلام الإلهيّ. وما ذلك إلّا لتُدرَك الحقيقة الموحى بها وتُفهَم فهمًا أشدّ، وتعرض بصورة ملائمة" [11]. إنّ الاستماع إلى ”اللغات المختلفة“ ليس مجرّد اهتمام اجتماعيّ، بل ينطوي على تمييز روحيّ، حيث يدرك شعب الله، بمساعدة الرّوح، في التحوّلات الثّقافيّة والاجتماعيّة، سواء علامات حضور المسيح الآتي الذي يقود التّاريخ نحو كماله، أو تلك الانحرافات التي تحجب وجهه. وهكذا لا تتغيّر الحقيقة المعلنة في جوهرها الأساسيّ، بل تُوضَّح وتُتَّخذ كمعيار حَيّ لتوجيه الخيارات الملموسة، وإلهام مسارات التّوبة الشّخصيّة والجماعيّة، وتعزيز إصلاحات الهيكليّات، ودعم أشكال جديدة من الشّهادة الإنجيليّة في الحياة العامّة. لذلك، فإنّ التّاريخ هو مكان حيث تتيح الكنيسة لنفسها أن تتعلّم من الرّوح القدس في أهمّيّة الإنجيل لتعليم الإنسان، وتتعلّم أن تضع تعليمها في خدمة كرامة كلّ إنسان وخير الشّعوب.

حكمة الكلمة والحوار مع العلوم الإنسانيّة

23. تعتبر الكنيسة جميع الذين يبحثون بصدق عن "الحقيقة والخير والجمال" رفقاء في الطّريق، وتعتبرهم "حلفاء عزيزين" [12] في الدّفاع عن كرامة كلّ شخص وحماية الخليقة. وبتبنّي الأسلوب الرّعوي للمجمع الفاتيكانيّ الثّاني، الذي يدعو إلى الإصغاء إلى علامات الأزمنة وتمييزها وتفسيرها، لا تخشى الكنيسة، مستنيرة بحكمة الكلمة، اللقاء مع المعرفة البشريّة. تقدّم كلمة الله معايير موثوقة لتوجيه مسارات العدل وفتح طرق للمصالحة والسّلام بين البشر. وعند تطبيق هذه المعايير على المواقف المعقّدة لعصرنا، تصير مساهمة الفلسفة والعلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة أمرًا أساسيًّا، حيث تساعد على فهم وتحليل الدّيناميّات الثّقافيّة والاقتصاديّة والسّياسيّة بصورة أعمق. كان القدّيس البابا يوحنّا بولس الثّاني يذكّر أنّ الكنيسة ترحّب بمساهمة العلوم الاجتماعيّة "لاستخلاص إرشادات عمليّة تساعدها على أداء رسالتها التّعليميّة" [13]. ولا يقلّل التّفاعل مع هذه المعارف من قوّة الإنجيل، بل العكس، فهو يسمح بتحديد ما يعزّز حياة الأشخاص والمجتمعات بصورة أوضح. وقد أكّد البابا فرنسيس، استمرارًا لهذا المنظور، أنّ الكنيسة لا تدّعي تقديم "رأي نهائيّ" [14] بشأن العديد من القضايا المحدّدة، بل تعترف بأهمّيّة الاستماع إلى البحث العلمي وتشجيع الحوار الجادّ والنّزيه بين الباحثين، مع قبول تنوّع الآراء.

24. استمدّت الكنيسة قوّتها من هذا الحوار المثمر بين الإنجيل والمعارف البشريّة، وعمّقت تدريجًا عقيدتها الاجتماعيّة، مطوّرةً بمرور الوقت تراثًا من الحكمة يتمتّع بتناسق لاهوتيّ وأنثروبولوجيّ متجذّر في رؤية الإنسان المسيحيّة. ولأنّ هذا التّراث ينبع من الإيمان وفهمه للواقع، فإنّه لا يُترجم إلى مجموعة من الحلول التّقنيّة ولا إلى نموذج اقتصاديّ أو سياسيّ يواجه نماذج أخرى: إنّه ينتمي إلى مستوى مختلف، [15] مستوى المبادئ التي توجّه قراءة الأحداث وتدعم التّفسير الإنجيليّ للعمليّات التّاريخيّة والخيارات التي تستند إليها. ومن هنا تنبع الوظيفة الخاصّة لتعليم الكنيسة الاجتماعيّ، الذي لا يدّعي أنّه يحلّ محلّ مسؤوليّات السّياسة والمؤسّسات، بل يقدّم نفسه بمثابة داعم للتمييز المشترك، يساعد على التّعرّف على ما يخدم كرامة الأشخاص وحيويّة المجتمعات وخير الجميع، وتعزيزه.

تعليم الكنيسة الاجتماعيّ هو تمييز للجماعة كلّها

25. فهم الحقيقة كعطيّة يجب مشاركتها وليس أمرًا نمتلكه ونطالب به يحرّر الكنيسة من تجربة الحنين إلى طرق حضور مبنيّة على القوّة. كان القدّيس البابا يوحنّا بولس الثّاني يدعو إلى النّظر بصدق إلى الأوقات التي كان فيها استسلامٌ "لأساليب التّعصّب والعنف أحيانًا، في خدمة الحقيقة" [16]، من أجل استعادة طريق إعلان الإنجيل بوداعة والحقيقة التي تُعرَض من غير إكراه. وعلى نفس المنوال، أكّدتُ أنّ الكنيسة "لا تريد أن ترفع الرّاية لتقول إنّها تمتلك الحقيقة" [17]، لأنّ الحقيقة ليست أرضًا يجب الدّفاع عنها، بل هي خيرٌ نتشارك فيه. وقد لخّص البابا فرنسيس هذا الموقف نفسه في كلماته الشّهيرة "الزّمن أسمى من المساحة" [18]: فليس المهمّ في المقام الأوّل أن نشغل مراكز السُّلطة أو السّيطرة على معاقل ثقافيّة، بل إطلاق مسارات الخير وتركها تنضج. وهكذا فإنّ حقيقة الإنجيل لا تُفرض من أعلى، بل تنمو مع الزّمن، داخل النّسيج العمليّ للحياة والمجتمعات والثّقافات. إنّها حقيقة لا تخشى التّنوّع، بل ترحّب به وتنظّمه، ولا تقضي على الصّراعات الفكريّة، بل تغيّر وجهها. إنّها حقيقة تعيد تجميع ما يميل التّاريخ إلى تفتيته. ومن هنا تأتي صورة المجسّم متعدّد الأوجه، وهو شكل ذو وجوه عديدة، تنعكس فيه، من زوايا مختلفة، حقيقة الإنجيل نفسها. [19]

26. هذا الموقف من الانفتاح على الحقيقة، الواحدة والمتعدّدة الأشكال في آن واحد، يعبّر بعمق عن كاثوليكيّة الكنيسة، التي تعانق الأسرة البشريّة بأسرها، وفي الوقت نفسه، تعيش ملتزمة في الظّروف الواقعيّة للشعوب والثّقافات. يذكّر المجمع الفاتيكانيّ الثّاني بأنّ "كلّ جزء يحمل إلى الآخرين وإلى الكنيسة عطاياه الخاصّة" [20]، بفضل هذه الكاثوليكيّة تحديدًا، وبذلك تنمو الكنيسة في مجموعها وفي كلّ فرد على حدة بفضل التّبادل والجهد المشترك نحو شركة أكثر اكتمالًا. ويترتّب على ذلك أنّ شعب الله ليس مجرّد تجمّع لشعوب عديدة، بل هو في جوهره نسيج من وظائف ودعوات وثقافات وتقاليد مختلفة، مدعوّة إلى دعم بعضها البعض وإثراء بعضها البعض. من هذا المنظور، أدرك القدّيس البابا بولس السّادس أنّه ليس من الواقعي التّفكير في أنّ تعليم الكنيسة الاجتماعيّ يمكن أن يقترح إجابة واحدة صالحة لجميع السّياقات، [21] نظرًا إلى التّنوّع الكبير في الأوضاع التّاريخيّة. ولهذا دعا كلّ جماعة مسيحيّة إلى أن تقرأ واقع بلدها بوضوح ومسؤوليّة. إنّ التّناقض المثمر بين عالميّة الرّسالة والتجذّر المحلّيّ يرتبط بصورة وثيقة بحياة الكنيسة: فهي تحمل في عناقها أفق العالم بأسره، لكنّها تنظر في أسئلة كلّ سياق وتعتبره المكان الحقيقيّ الذي يتجسّد فيه الإنجيل.

27. في ضوء ما قيل حتّى الآن، يظهر تعليم الكنيسة الاجتماعيّ في أصالته ووجهه الحقيقيّ: ليس دليلًا للمبادئ والقواعد التي يجب تطبيقها، بل هو مسار للتمييز الجماعيّ. إنّه ينشأ من اللقاء بين حقيقة الإنجيل الأبديّة وأسئلة التّاريخ، ويسمح لـعلامات الزّمن بأن تطرح عليه أسئلة، ويتغذّى من مساهمة العلوم والثّقافات والخبرات البشريّة. لذلك، عندما تُشوّه كرامة الإخوة، وعندما لا تستجيب السّياسة لمآسي البشريّة، وعندما ينقلب الاقتصاد ضدّ الإنسان أو يتجاوز العِلم حدود منهجه، [22] يجب على الكنيسة أن تُسمِع صوتها، مع الطّوائف المسيحيّة الأخرى والمؤمنين من الأديان الأخرى، وذلك لا للسيطرة، بل لخدمة الوَحدة والشّركة. وبهذا الفهم، يصير تعليم الكنيسة الاجتماعيّ لاهوتًا للتواصل في التّاريخ، ومكانًا حيث الكلمة، الذي صار بشرًا، يتابع حضوره ويصير حوارًا وذاكرة ونبوءة.

تطوّر سُلطة تعليم الكنيسة الاجتماعيّ من البابا لاوُن الثّالث عشر حتّى اليوم

28. بعد أن أشرت إلى الطّريقة التي تعيش بها الكنيسة في التّاريخ وتدخل في حوار مع العالم، أودّ الآن أن أتوقّف عند تطوّر تعليم الكنيسة الاجتماعيّ في السُّلطة التّعليميّة الذي رافق التحوّلات الاجتماعيّة الكبرى، منذ القرن التّاسع عشر وحتّى يومنا هذا. من الواضح أنّني لن أستطيع أن أستعرض كلّ غنى هذا التّعليم، الذي تُعرض مبادئه الأساسيّة في ”خلاصة تعليم الكنيسة الاجتماعيّ“، ثمّ ازدادت السُّلطة التّعليميّة الحاليّة في التّعمّق فيه. كما لن أستطيع أن أستعرض بشكل منهجيّ ما تمّ صياغته في رسائل أسلافِي الموقّرين الأخيرين، لا سيّما في الوثيقَتَين ”كُنْ مُسَبَّحًا“ و”كلّنا إخوة“. ومع ذلك، أعتزم استحضار بعض الخطوط الأساسيّة، لأُظهِر أنّ ما أكتبه يندرج في استمراريّة هذا التّقليد، ولأُظهِر في الوقت نفسه، كيف يتشابك جوهر الحقائق المكتشفة حول الإنسان والعيش معًا مع قدرة متجدّدة دائمًا على الاستماع إلى الأوضاع التّاريخيّة والسّماح للأسئلة التي تنبثق من الحاضر بأن تطرح نفسها. لذلك سأستعرض بعض المحطّات الحاسمة في هذا التّطوّر، بدءًا من المرحلة التي افتتحتها الرّسالة البابويّة العامّة ”الشّؤون الجديدة-Rerum novarum“.

التّطوّرات الأولى لـ ”تعليم الكنيسة الاجتماعيّ“

29. ما نسمّيه اليوم ”تعليم الكنيسة الاجتماعيّ“ لم يولد فجأة في العصر المعاصر، بل يجمع وينظّم تقليدًا طويلًا من التّفكير الكنسيّ في الحياة الاجتماعيّة، الذي يجد مصادره في الكتاب المقدّس، وفي آباء الكنيسة، وفي الدّراسات اللاهوتيّة والقانونيّة في العصور الوسطى والعصر الحديث. استخدم البابا بيوس الثّاني عشر لأوّل مرّة عبارة ”تعليم الكنيسة الاجتماعيّ“ سنة 1950، [23] لكن المحتوى الذي تنطوي عليه، بمعناه كمجموعة متكاملة من التّعاليم الاجتماعيّة، بدأ يتبلور مع الرّسالة البابويّة العامّة ”الشّؤون الجديدة-Rerum novarum“ للبابا لاوُن الثّالث عشر. أمام ”الشّؤون الجديدة“ في عصره، - الصّراع بين رأس المال والعمل، وقضيّة العمّال، والتّحوّلات الاقتصاديّة والاجتماعيّة -، لم يكتف البابا لاوُن الثّالث عشر بتسجيل حالة القلق، بل اعتبر تلك الأوضاع مجالًا لرسالة الكنيسة الرّعويّة، وأخضعها لتمييز دقيق، وسلّط الضّوء على أسبابها والطّرق الممكنة للخروج منها في ضوء الإنجيل ورؤية شاملة للإنسان، المخلوق على صورة الله. ورأى القدّيس البابا يوحنّا بولس الثّاني في هذه الطّريقة في العمل "نموذجًا ثابتًا" [24] للتعليم الاجتماعيّ: مثال نموذجيّ تستلهمه الكنيسة، في مواجهة التحوّلات التّاريخيّة، وحقّها وواجبها في دراسة الواقع الاجتماعيّ، وإبداء الرّأي بشأنه، والإشارة إلى سبل الحلّ العادل. وبهذه الطّريقة، تتجسّد محتويات الإيمان الدّائمة والحكمة الكنسيّة القديمة في عقيدة حيّة، تبقى أمينة للإنجيل، وتنمو في مواجهة ”الشّؤون الجديدة“ في كلّ عصر.

30. الرّسالة البابويّة العامّة ”الشّؤون الجديدة-Rerum novarum“ للبابا لاوُن الثّالث عشر هي حجر الأساس في تطوّر سُلطة تعليم الكنيسة الاجتماعيّ. تضع هذه الوثيقة كرامة العمل والعامل محورَ تفكيرها، وتؤكّد الحقّ في أجر عادل للعامل ولعائلته، وتعترف بأنّ للأشخاص قيمةً جوهريّةً تسبق رأس المال والرّبح، وتدافع عن الملكيّة الخاصّة إلى جانب وظيفتها الاجتماعيّة التي لا غنى عنها، وتقدِّر نقابات العمّال، وتقترح أشكالًا من التّعاون بين مختلف مكوّنات المجتمع كبديل لمنطق ”الصّراع الطّبقي“. لذلك، لا عجب أنّ البابا بيوس الحادي عشر وصفها بأنّها "الميثاق الرّئيسيّ" [25] لعمل المسيحيّين الاجتماعيّ: في ”الشّؤون الجديدة-Rerum novarum“ تتّخذ حكمة الكنيسة القديمة حول الإنسان والحياة في المجتمع شكلًا جديدًا، قادرًا على مواكبة العصر الصّناعي وتقديم أوّل إطار منهجيّ كبير لتعليم الكنيسة الاجتماعيّ الذي ستطوّره العقود اللاحقة بصورة أفضل. على الرّغم من تغيُّر العديد من الظّروف التّاريخيّة التي وصفها البابا لاوُن الثّالث عشر، إلّا أنّ هناك على الأقلّ اكتشافَين لا تزال لهما أهمّيّة كبيرة: أولويّة العمل البشريّ قبل أيّ منطق إنتاجي أو مالي محض، مع ما يترتّب على ذلك من اهتمام بالأشخاص والعائلات المعرّضة للاستغلال أكثر من غيرها، وارتباط لا ينفصم بين إعلان الإنجيل والبحث عن نظام اجتماعيّ فيه مزيد من العدل. وهكذا تواصل رسالة ”الشّؤون الجديدة-Rerum novarum“ تذكيرنا بأنّه لا توجد بشارة بالإنجيل حقيقيّة لا تمسّ أيضًا هيكليّات العيش معًا.

31. الرّسالة البابويّة العامّة ”السّنة الأربعون-Quadragesimo anno“ للبابا بيوس الحادي عشر، التي نُشرت سنة 1931 في ذكرى أربعين سنة لصدور الرّسالة البابويّة العامّة ”الشّؤون الجديدة-Rerum novarum“ وفي خضمّ الأزمة الاقتصاديّة العالميّة الكبرى، تخطو خطوة أخرى في تطوير تعليم الكنيسة الاجتماعيّ. فهي لا تنحصر في استئناف ”قضيّة العمّال“، بل توسّع نطاق النّظر ليشمل التّكوين الشّامل للنظام الاقتصاديّ والسّياسيّ. وتدين الرّسالة تركيز السُّلطة الاقتصاديّة في أيدي قلّة قليلة من النّاس، وتنتقد كلًّا من المنافسة غير المحدودة والمشاريع الجماعيّة التي تلغي حرّيّة ومسؤوليّة الأفراد، وتؤكّد بقوّة على حقّ العمّال في تكوين النّقابات وتكرّر الحاجة إلى أن يكون الأجر متناسبًا ليس فقط مع الأداء، بل مع احتياجات العامل وعائلته. في هذا الإطار، صاغ بشكل منهجيّ مبدأ التّكامل واللامركزيّة في اتّخاذ القرار، الذي سيصير أحد المبادئ الدّائمة في التّعليم الاجتماعيّ، والذي ينصّ على أنّ ما يمكن أن يقوم به الأفراد والعائلات والهيئات الوسيطة والمجتمعات المحلّيّة يجب ألّا تستحوذ عليه الجهات العليا. إلى جانب هذه المساهمات، شدّد البابا بيوس الحادي عشر بوضوح على الوظيفة الاجتماعيّة للملكيّة. وبتدخّلات مختلفة له في تعاليمه، - بدءًا من الرّسالة العامّة ”لسنا بحاجة-Non abbiamo bisogno“ والرّسالة ”بقلق بالغ-Mit brennender Sorge“، وصولًا إلى الرّسالة ”الفادي الإلهيّ-Divini Redemptoris“، ندَّد بالأنظمة الاستبداديّة التي تهين كرامة الإنسان وتخنق الحياة الاجتماعيّة، وترفع من شأن الدّولة فوق قيمتها الحقيقيّة، وتعتمد مفهومًا تمييزيًّا قائمًا على العِرق. في عصرنا هذا، تظلّ ثلاثة أفكار على الأقل من تعاليمه الاجتماعيّة لها صلة خاصّة بواقعنا الحالي: الإدراك بأنّ الظّلم لا يقتصر على سلوكيّات الأفراد فقط، بل تشمل أيضًا الهيكليّات الاقتصاديّة والمؤسّسيّة، وقيمة مبدأ التّكامل واللامركزيّة في اتّخاذ القرار، الذي يدعو إلى تعزيز النّسيج المجتمعيّ والجماعيّ، وتجنّب أيّ تركيز جديد للسُلطة، والارتباط بين كرامة العمل، والأجر العادل، وإتاحة الفرصة الحقيقيّة للعائلات لعيش حياة كريمة.

32. في السّياق المأساوي للحرب العالميّة الثّانية وسنوات إعادة الإعمار، قدّم تعليم البابا بيوس الثّاني عشر مساهمة مهمّة في تطوير التّعليم الاجتماعيّ، لا سيّما برسائله الإذاعيّة في مناسبة عيد الميلاد، التي رسم فيها ملامح نظام دولي قائم على الاعتراف بكرامة الإنسان وعلى العدل والسّلام. في تلك المناسبات، اقترح البابا حوارًا مع المجتمع انطلاقًا من دعوة صارمة إلى الحقّ الطّبيعي، الذي يُفهم على أنّه مجموعة من المبادئ الموضوعيّة التي تسبق مصالح الأفراد والدّول، والتي يجب أن تنظّم الحياة الدّاخليّة للأمم وعلاقاتها المتبادلة. وقد منح البابا بيوس الثّاني عشر دورًا حاسمًا للجمعيّات المهنيّة ونقابات العمّال والهيئات الوسيطة المختلفة في الحياة الاقتصاديّة والاجتماعيّة، معترفًا في هذه الأشكال المنظّمة للمجتمع بحماية أساسيّة للتوازن المدنيّ ولحماية الخير العام. وشدّد على ضرورة وجود دولة قانونيّة قويّة لمنع إساءة استخدام السُّلطة، وتعترف بالدّيمقراطيّة كأداة تساعد على ممارسة السُّلطة بشكل صحيح. وفي الوقت نفسه، حذّر من أيّ ادّعاء بإرساء الحقّ على أساس المنفعة أو القوّة، مذكّرًا بأنّ نظامًا دوليًّا تحكمه مصلحة الأقوى يعرّض الشّعوب الضّعيفة للاضطهاد ويقوّض الثّقة بين الدّول من الأساس. وأخيرًا، رأى في الاختلالات الاقتصاديّة العميقة بين البلدان أحد العوامل التي تغذّي النّزاعات. [26] في عصرنا هذا، الذي يتسمّ بأشكال جديدة من القوّة العالميّة وبالتّفاوتات المتزايدة، تظلّ ثلاثة توجّهات ذات أهمّيّة خاصّة: ضرورة تقديم الحقّ على المصلحة، والوعي بأنّ التّفاوتات الاقتصاديّة هي أرض خصبة للتوترات والعنف، وقيمة النّسيج المجتمعيّ القادر على التّوسّط بين الفرد والدّولة. وهي تواصل تقديم معايير مهمّة للتعليم الاجتماعيّ لفهم ديناميّات العولمة وتعزيز نظام دولي فيه مزيد من العدل والسّلام.

سنوات المجمع الفاتيكانيّ الثّاني

33. مع القدّيس البابا يوحنّا الثّالث والعشرين، تبدأ مرحلة جديدة من تعليم الكنيسة الاجتماعيّ، تتميّز باهتمام أكثر صراحة بالبعد العالميّ للقضايا الاجتماعيّة ولغة الحقوق. في الرّسالة البابويّة العامّة ”أُمّ ومعلِّمة-Mater et Magistra“، قدَّم الإيمانَ المسيحيّ على أنّه نور قادر على ربط السّماء بالأرض، وذكّر بأنّ الكنيسة، بالرّغم من أنّ مهمّتها الأساسيّة هي التّقديس والبشارة بالخيرات الأبديّة، إلّا أنّها لا تهمل الاحتياجات العمليّة للحياة اليوميّة للناس، بل تهتمّ بكلّ خير إنسانيّ حقيقيّ. [27] انطلاقًا من هذه الرّؤية الموحّدة للإنسان، يؤكّد البابا أنّ الحياة الاجتماعيّة تتطلّب توازنًا بين عمل الأفراد والجماعات، المدعوّين إلى تنظيم ذاتهم وإلى التّعاون، وبين عمل الدّولة، التي يجب أن تنسّق وتدعم حرّيّة ومسؤوليّة الأفراد دون خنقهم. ومن هنا يأتي الاهتمام بالأجر العادل للعمل، ومشاركة العمّال، والتّفاوتات المتزايدة بين البلدان. وبعد بضع سنوات، في الرّسالة ”سلام على الأرض-Pacem in Terris“، وجّه البابا يوحنّا الثّالث والعشرون كلامه لأوّل مرّة ليس فقط إلى المؤمنين بل أيضًا إلى جميع النّاس ذوي الإرادة الصّالحة، وربط بشكل متكامل بين كرامة الإنسان والاعتراف بالحقوق والواجبات الأساسيّة، واقترح نظامًا للتعايش، حتّى على الصّعيد الدّولي، قائمًا على الحقيقة والعدل والمحبّة والحرّيّة. [28] في عصرنا هذا، الذي تشوبه صراعات واسعة النّطاق وأشكال جديدة من التّرابط العالميّ، فإنّ الأفق العالميّ لندائه، والإشارة إلى حقوق الإنسان باعتبارها قواعد مشتركة، والاقتناع بأنّ السّلام الدّائم يتطلّب مؤسّسات وعلاقات بين الشّعوب مستوحاة من كرامة كلّ إنسان، تبقى ذات أهمّيّة كبيرة.

34. وكان المجمع الفاتيكانيّ الثّاني نقطة تحوّل في فهم الكنيسة لذاتها في العالم المعاصر. في الدّستور الرّعائي ” فرح ورجاء-Gaudium et Spes“، قدّم لنا صورة كنيسة تقترب من البشريّة، وتلتزم تجاه العالم، وتكرّس نفسها للتفكير ليس في مخطّطات تجريديّة، بل انطلاقًا من واقعيّة الأوضاع التّاريخيّة. يتناول النّصّ القضايا الكبرى للزواج والعائلة، والحياة الاقتصاديّة والاجتماعيّة، والمجتمع السّياسيّ، والحرب والسّلام، مؤكّدًا على أنّ الهيكليّات الاقتصاديّة والمؤسّسيّة لا تكون عادلة إلّا بقدر ما تخدم التّنمية المتكاملة للإنسان وتشجّع المشاركة المسؤولة للجميع. [29] تكمن أهمّيّة هذه الوثيقة المجمعيّة بالنّسبة لتعليم الكنيسة الاجتماعيّ ليس فقط لأنّها فتحت آفاقًا للتفكير الموضوعيّ، بل أيضًا لأنّها قدّمت طريقة تمييز تدعو إلى قراءة التّحوّلات التّاريخيّة بنظرة إنجيليّة وكفاءة إنسانيّة. يُظهر هذا الأسلوب أنّ الحوار مع العالم ليس خيارًا تكتيكيًّا للكنيسة، بل هو طريقة ملموسة لرسالتها، لأنّ الإنجيل، مثل الخميرة، قادر على تحويل هيكليّات العيش معًا من الدّاخل وفتح مسارات نحو إنسانيّة أعمق. في هذا الأفق يندرج أيضًا الإعلان ”كرامة الإنسان-“Dignitatis Humanae، الذي يعترف فيه المجمع بأنّ الحرّيّة الدّينيّة حقّ أساسيّ متجذّر في كرامة الإنسان، ويجب أن يضمنه النّظام القانونيّ حتّى لا يُجبر أحد على التّصرّف ضدّ ضميره أو يُمنع من البحث عن الحقيقة والاعتراف بها في السّرّ والعلن. [30] هذا المبدأ، الذي له أهمّيّة كبيرة في عصرنا، يواصل تقديم معايير حاسمة للتعليم الاجتماعيّ من أجل حماية الإنسان وبناء مجتمعات تعدّديّة وسلميّة.

35. في عهد البابا القدّيس بولس السّادس، ظهر فهم للسّلام لا ينحصر على غياب الحرب، بل يتجسّد في مسار التّنمية البشريّة المتكاملة. في الرّسالة البابويّة العامّة ”تقدُّم الشّعوب-Populorum Progressio“، يصف التّنمية بأنّها انتقال من ظروف معيشيّة أقلّ إنسانيّة إلى ظروف أكثر إنسانيّة، ويفهمها على أنّها عمليّة تشمل كلّ إنسان والإنسان بكامله، [31] أي كلّ أبعاد الإنسان وكلّ شعب دون استثناء. على هذا الأساس، يمكن للبابا بولس السّادس أن يؤكّد أنّ التّنمية المفهومة على هذا النّحو هي في الواقع "الاسم الجديد للسّلام" [32]، لأنّها تهدف إلى إزالة جذور الظّلم والصّراع وفتح الآفاق لحياة فيها مزيد من الكرامة للجميع. ويجب أيضًا قراءة اللجنة البابويّة للعدل والسّلام في هذا السّياق، باعتبارها محاولة لإعطاء شكل ثابت لهذه الفكرة، على المستوى الكنسيّ والدّولي، مع الحفاظ على الوعي بالفجوة المتزايدة بين البلدان الغنيّة والبلدان الفقيرة، وبضرورة سياسات تعزّز ظروف معيشيّة أكثر إنسانيّة حقًّا للجميع.

36. ومع الرّسالة ”السّنة الثّمانون-Octogesima adveniens“، التي كتبها البابا بولس السّادس في مناسبة الذّكرى الثّمانين للرّسالة البابويّة العامّة ”الشّؤون الجديدة-Rerum novarum“، نقل هذه الرّؤية إلى المجتمع ما بعد الصّناعي، الذي يتّسم بالتّحوّلات الحضريّة، وأشكال الفقر الجديدة، والتّغيّرات في عالم العمل، والتّحوّلات الثّقافيّة السّريعة التي تضع مستقبل الأفراد والمجتمعات موضع تساؤل. بالنّسبة للبابا بولس السّادس، فإنّ الإنجيل، على الرّغم من أنّه أُعلن، وكُتب، وصار موضوع حياة في سياق تاريخيّ ثقافيّ مختلف تمامًا عن سياقنا، ليس رسالة ”صارت قديمة“، بل هو رؤية للإنسان، والعلاقات، والسُّلطة، والخير العام، قادرة على توجيه الخيارات الاقتصاديّة والسّياسيّة والثّقافيّة حتّى اليوم. [33] بعبارة أخرى، يظلّ الإنجيل معاصرًا لأنّه يوفّر المعايير اللازمة للتعرّف على ما يُؤنسن أو ما يُجرّد من الإنسانيّة، وما يُحرّر أو ما يقمع، في أوضاع جديدة دائمًا. بالنّسبة لتعليم الكنيسة الاجتماعيّ، فإنّ الإرث الأكثر تطلّبًا الذي تركه البابا بولس السّادس هو هذا بالتّحديد: طالما يوجد في العالم شعوب مستبعدة عن تنمية تليق بالإنسان، لن تستطيع الجماعة المسيحيّة أن تكتفي بإعلان السّلام بشكل مجرّد، بل يجب أن تدع الإنجيل يحكم، انطلاقًا ممّن يبقون على الهامش، على تلك الهيكليّات الاقتصاديّة والسّياسيّة التي يمكن أن تصير، كما ذكر البابا يوحنّا بولس الثّاني، "هيكليّات للخطيئة" [34] حقيقيّة، حتّى لا يُعامل أيّ إنسان أو أيّ شعب على أنّه يمكن التّضحيّة به في عمليّات التّنمية.

سُلطة الكنيسة التّعليميّة حاليًّا

37. سُلطة التّعليم الكنسيّة الاجتماعيّ المثمرة للقدّيس البابا يوحنّا بولس الثّاني تقع عند نقطة التقاء بين أزمة الأنظمة الأيديولوجيّة الكبرى في القرن العشرين وبداية العولمة الاقتصاديّة. في الرّسالة البابويّة العامّة ”العمل الإنسانيّ-Laborem exercens“، التي كتبها بعد تسعين سنة من الرّسالة البابويّة العامّة ”الشّؤون الجديدة-Rerum novarum“، يفتح البابا مسارًا جديدًا للتفكير حول العمل. يُقدَّم الأجر العادل فيها على أنّه اختبار ملموس لعدالة كلّ النّظام الاجتماعيّ والاقتصاديّ، لأنّه يُبَيِّن هل يُعامَل العامل كإنسان أم مجرّد تكلفة إنتاج. [35] فالعمل ليس مجرّد مشكلة يجب إدارتها أو وسيلة للحصول على الأجر، بل هو خير أساسيّ للإنسان، ومبدأ النّشاط الاقتصاديّ، ومفتاح المسألة الاجتماعيّة كلّها. فيه يتعامل الإنسان مع حرّيّته وإبداعه وقدرته على التّعاون، ويساهم في رفع الثّقافة والأخلاق في المجتمع. [36] في ضوء ذلك، لا يمكن تقييم الأشكال المختلفة للضعف وتجزئة المسارات المهنيّة واكتساب العمل طابعًا آليًّا من منظور الكفاءة فحسب، بل انطلاقًا من كرامة العامل، والحقّ في أجر كافٍ، وإمكانيّة فعّالة للمشاركة في الحياة الاجتماعيّة.

38. في الذّكرى العشرين للرّسالة البابويّة العامّة ”تقدُّم الشّعوب-Populorum Progressio“، عاد القدّيس البابا يوحنّا بولس الثّاني، بالرّسالة ”الاهتمام بالشّؤون الاجتماعيّة-Sollicitudo rei socialis“، إلى آفة التّخلّف، واعترف بفشل العديد من المحاولات الرّامية إلى سدّ الفجوة الاقتصاديّة للشعوب الفقيرة ومرافقتها في عمليّة التّصنيع، ولاحظ استمرار الفجوة بين شمال العالم وجنوبه، بل اتّساعها أحيانًا. [37] وندّد بالآليّات الاقتصاديّة والماليّة والتجاريّة التي تديرها الدّول الأقوى، وتفضّل مصالحها بشكل هيكلي وتخنق أنظمة الاقتصاد الضّعيفة، وطالب بأن تخضع هذه الآليّات أيضًا لتقييم أخلاقيّ جاد، وليس تقنيًّا فحسب. [38] في هذا السّياق، يُفهم التّضامن على أنّه مسؤوليّة مشتركة ملموسة بين الأفراد والشّعوب والأمم، وشكل من أشكال الصّداقة الاجتماعيّة أو المحبّة السّياسيّة الموجّهة إلى ”حضارة المحبّة“ التي دعا إليها البابا بولس السّادس. [39]

39. في الذّكرى المئويّة للرسالة البابويّة العامّة ”الشّؤون الجديدة-Rerum novarum“، تقدِّم الرّسالة البابويّة العامّة ”السّنة المئة-Centesimus annus“ أخيرًا رؤية حول انهيار النّظام السّوفييتيّ وانتصار الدّيمقراطيّة واقتصاد السّوق. أكّد القدّيس البابا يوحنّا بولس الثّاني من جديد رسالة البابا بيوس الثّاني عشر القائلة بأنّ الكنيسة تقدّر الدّيمقراطيّة بقدر ما تضمن المشاركة الفعّالة للمواطنين، وتسمح باختيار واستبدال الحكّام سلميًّا، وتمنع احتكار السُّلطة من قبل نخب محدودة تحرّكها مصالح خاصّة أو أيديولوجيّة. [40] وفي الوقت نفسه، فإنّها تعترف بالإمكانات الإيجابيّة للسوق والمبادرة الخاصّة، على أن تبقيا خاضعَتَين للقانون الأخلاقيّ وموجَّهَتين بمبدأ التّضامن، دون التّضحيّة بالضّعفاء من أجل منطق الرّبح. [41] وبذلك، يبقى تعليم الكنيسة الاجتماعيّ إرثًا ذا أهمّيّة خاصّة في الوقت الحاضر: بالتّأكيد على الصّلة بين كرامة العمل والتّضامن بين الشّعوب والتّقييم النّقدي للدّيمقراطيّة واقتصاد السّوق، يواصل تقديم معايير للحكم على الأشكال الجديدة للاستغلال والإقصاء وأزمة التّمثيل السّياسيّ.

40. البابا بندكتس السّادس عشر، في رسالته الاجتماعيّة ” المحبّة في الحقيقة-Caritas in veritate“، أراد إعادة التّفكير والتّعمّق في مفهوم التّنمية الذي تناولته الرّسالة البابويّة العامّة ”تقدُّم الشّعوب-Populorum Progressio“، ووسَّعه من جديد في أفق العولمة. ذكر أن هذه التّنمية يجب أن تحقِّق "نمُوًّا حقيقيًّا، شاملًا للجميع ومستدامًا بشكل ملموس" [42]، أي إلى تقدّم اقتصادي شامل حقًّا يحترم حدود الخليقة. لكنّه لاحظ أنّ فئات جديدة من الفقراء أخذت تظهر في البلدان الغنيّة وتتكاثر بصور غير مسبوقة من الإقصاء، بينما تعيش مجموعات صغيرة في المناطق الأشدّ فقرًا في رفاهيّة استهلاكيّة تتعايش مع أوضاع من الفقر اللاإنسانيّ. [43] ولاحظ أيضًا أنّ النّظام الاقتصاديّ والماليّ الدّوليّ الجديد، الذي يتميّز بزيادة حركة رؤوس الأموال ووسائل الإنتاج، قلّص من السُّلطة السّياسيّة للدّول وقدرتها على توجيه العمليات الاقتصاديّة. [44] ولهذا السّبب يؤكّد أنّ النّشاط الاقتصاديّ لا يمكنه أن يدّعي حلّ المشاكل الاجتماعيّة بمجرّد توسيع منطق السّوق، بل يجب أن يكون موجّهًا نحو الخير العام، وتقع المسؤولية الكبرى في ذلك، وبصورة لا يمكن استبدالها، على المجتمع السّياسيّ. [45]

41. وضع البابا بندكتس السّادس عشر المحبّة في صميم هذا التّفسير الجديد، وأكّد أنّها "الطّريق الرّئيسيّ لتعليم الكنيسة الاجتماعيّ" [46]، بشرط أن تكون دائمًا مرتبطة بالحقّ. ولاحظ بقلق أنَّ هناك ميلًا في المجالات الاجتماعيّة والقانونيّة والسّياسيّة والاقتصاديّة بالذّات إلى إعلان عدم أهمّيّتها الأخلاقيّة. تكمن مساهمته الجديدة في تأكيده على أنّ التّنمية والعدل والمؤسّسات والسّوق ليست حقائق محايدة، بل هي أماكن يجب أن تتجسّد فيها المحبّة في الحقيقة تاريخيًّا. في يومنا هذا، الذي يتّسم بالمزيد من التّفاوت بين النّاس، وبضغط الأسواق الماليّة، والأزمة البيئيّة، وانعدام الثّقة في السّياسة، يظلّ هذا التّعليم ذا صلة بالواقع لأنّه يدعو إلى الحكم على كلّ نموذج من نماذج التّنمية، بناءً على قدرته على أن يكون شاملًا ومستدامًا، وإعادة صياغة العلاقة بين الاقتصاد والسّياسة حول الخير العام، والاعتراف بدور المحبّة الحاسم والمُنتِج في الحياة العامّة.

42. تطوّرت سُلطة تعليم الكنيسة الاجتماعيّ للبابا فرنسيس على نهج الوثيقة ” فرح ورجاء-Gaudium et Spes“، التي تدعو إلى النّظر في التّاريخ انطلاقًا من جراح النّاس وآمالهم، وإلى إقامة حوار بينها وبين الإنجيل. ظهر هذا التّوجّه بوضوح خاصّ في الإرشاد الرّسولي ”فرح الإنجيل-Evangelii Gaudium“، حيث يؤكّد أنّ إعلان البشارة المسيحيّة لها بعد اجتماعيّ جوهريّ، ويدعو إلى كنيسة قادرة على أن تسمع صراخ الفقراء والمهاجرين وضحايا أشكال العبوديّة الجديدة. وفي هذا السّياق، يندرج أيضًا إصرار البابا فرنسيس على كنيسة سينوديّة، كنيسة ”تسير معًا“، وتسعى إلى قراءة ”علامات الزّمن“ في ضوء الإنجيل، وتسمح للفقراء الذين تشاركهم التّاريخ بأن يحملوا إليها بشارة الإنجيل. [47]

43. في الرّسالة البابويّة العامّة ” كُنْ مُسَبَّحًا-Laudato si’“، قدَّم البابا فرنسيس أوّل تحليل منهجيّ شامل للأزمة البيئيّة في رسالة بابويّة عامّة اجتماعيّة، وأوضح أنّها ليست مسألة جزء من الكوكب، بل هي الجانب البيئيّ للأزمة الاجتماعيّة والاقتصاديّة المعاصرة. وجمع اقتراحه إلى بيئة متكاملة بين العناية بالبيت المشترك والخيار التّفضيليّ للفقراء، وأكّد بقوّة أنّ "صرخة الأرض وصرخة الفقراء" [48] لا يمكن فصلهما. في ضوء ذلك، تعود إلى الواجهة الغاية المشتركة للخيرات، وانتقاد النّموذج التّكنوقراطيّ الذي يحاول اختصار كلّ شيء في موضوع السّيطرة، والدّفاع عن العمل الإنسانيّ الذي يهدّده منطق الإقصاء، والحاجة إلى العدل بين الأجيال، والدّعوة إلى حوار حقيقيّ بين السّياسة والاقتصاد، حتّى لا ينغلق أيّ منهما على ذاته كمرجعيّة.

44. أمام تفكّك النّسيج الاجتماعيّ، و”الحرب العالميّة المجزّأة“، وعولمة الفرديّة، ونتائج الجائحة على الرّوابط المجتمعيّة، أطلق البابا فرنسيس في الرّسالة ” كلّنا إخوة-Fratelli tuttiالحلم في إنسانيّة تعرف أن تختار الصّداقة الاجتماعيّة والأخوّة العالميّة. دعا إلى ثقافة اللقاء، وإلى ”سياسة أفضل“ قادرة على أن تسعى إلى الخير العام، وإلى سُبُلٍ للمصالحة، وإلى عالَمٍ يضمن "الأرض والمسكن والعمل للجميع" [49]. أخيرًا، بَيَّنَ في الرّسالة لقد أحبَّنا-Dilexit nos“ أنّ هذه الالتزامات الاجتماعيّة الكبرى ليست منفصلة عن علاقتنا الشّخصيّة مع يسوع المسيح: فبالعودة إلى كلمة الله، يذكّرنا بأنّ الرّدّ الحقيقيّ على محبّة قلب يسوع هو المحبّة الحقيقيّة لإخوتنا، ويؤكّد أنّه "ليس من عمل أعظم يمكن أن نقدّمه من أن نردّ على المحبّة بالمحبّة" [50].

قراءة التّاريخ في نور الإيمان

45. إن نظرنا إلى هذه المسيرة في مجملها، نفهم أنّ تعليم الكنيسة الاجتماعيّ ليس ثمرة مشروع تمّت صياغته على الورق، بل هو نتيجة مسيرة صابرة، قدَّم فيها كلّ حَبْر، مع المجمع الفاتيكانيّ الثّاني، مساهمة أصيلة في ضوء ”الشّؤون الجديدة“ في عصره. وقد أظهر كلّ واحد منهم، بمواجهة تحدّيات عصره وقراءة التّغيّرات التّاريخية في ضوء الإنجيل، جوانب مختلفة من تراث واحد: كرامة الإنسان، وقيمة العمل، والغاية المشتركة للخيرات، والتّضامن والتّكافل، والعناية بالخليقة، ومركزيّة السّلام والأخوّة. ونتج عن ذلك تطوّر متناغم، وإن لم يكن دائمًا مباشرًا، اتّسم بتركيزات مختلفة، وتعمّقات تدريجيّة، وأحيانًا بتغييرات في الرّؤية لا تنفصل عمّا سبقها، بل تجعل آثارها تنضج. إن كان بإمكاننا اليوم أن نتكلّم على مجموعة من المبادئ والمعايير المشتركة، فذلك لأنّ قراءة التّاريخ في نور الإيمان لم تتوقّف قطّ، واستطاعت أن تستجيب لأسئلة كلّ جيل. هذه النّواة الأساسيّة، مبادئ تعليم الكنيسة الاجتماعيّ الكبيرة التي توجّه تمييز المؤمنين في الحياة الشّخصيّة والعامّة، هي التي أودّ أن أركّز عليها الآن، لكي ندرك بشكل أفضل تماسكها الدّاخلي وقوّتها المولّدة لعصرنا.

الفصل الثّاني

أسس ومبادئ تعليم الكنيسة الاجتماعيّ

46. تعليم الكنيسة الاجتماعيّ هو واقع حَيّ، في حوار مع التّاريخ والثّقافات والعلوم، وفي الوقت نفسه يحفظ نواة الحقيقة التي لا تغيب. لهذا السّبب يمكن اعتباره شكلًا من أشكال الحكمة القادرة اليوم أيضًا على أن توجّه حياة المؤمنين الشّخصيّة والاجتماعيّة. في هذا الفصل الثّاني أودّ أن أتوقّف عند بعض أسس ومبادئ التّعليم الاجتماعيّ التي تساعدنا لنقرأ ”الشّؤون الجديدة“ في عصرنا، في ضوء كرامة الإنسان الأساسيّة. أعتقد أنّه يجب علينا اليوم، لكي نحمي الإنسان في عصر الذّكاء الاصطناعيّ، أن نعود إلى التّفكير في الخير العام، والغاية المشتركة للخيرات، وتبادل القوى بين الجميع، والتّضامن، والعدالة الاجتماعيّة. أنا مقتنع بأنّ العلاقة المتناغمة بين هذه المبادئ تتطلّب أن ننظر إليها مجتمعة، حتّى يَتَبَيَّن بوضوح كيف تترابط في ما بينها وتضيء بعضها بعضًا.

47. من خلال طرح هذه الأفكار، أودّ أوّلًا أن أساعد المؤمنين العلمانيّين وجميع النّساء والرّجال ذوي الإرادة الصّالحة ليكتشفوا من جديد مهمّتهم في نقل المبادئ التي سأذكرها، إلى الحياة اليوميّة، وفي العلاقات العائليّة، والعمل، والمشاركة الاجتماعيّة، مستلهمين ذلك من رغبتهم في تجسيد محبّة الله في نسيج التّاريخ الحقيقيّ. وفي الوقت نفسه، أودّ أن أشجّع الأكاديميّات والجامعات على أن يعطوا دفعًا جديدًا لهذه المبادئ، ويعيدوا التّفكير فيها بطريقة تتوافق مع عصرنا الحاليّ وتكون فعّالة في مواجهة الثّورة الرّقميّة. بهذه الطّريقة، سيتمكّن البحث اللاهوتيّ والفلسفيّ من تعميق ودعم مسيرة الكنيسة الرّعويّة، فيساهم في مهمّة سُلطة الكنيسة التّعليميّة في إنارة ضمير المؤمنين وتوجيه جهودهم ليضيفوا في حياة مجتمعاتنا مزيدًا من العدل والأخوّة.

أسس التّعليم الاجتماعيّ

الإنسان صورة الله الثّالوث

48. تعليم الكنيسة الاجتماعيّ يُعيدنا إلى قلب إيماننا نفسه: سرّ الله الحَيّ، المُعلَن في يسوع المسيح الذي هو شركة بين أقانيم، الآب والابن والرّوح القدس، ومحبّة في علاقة، تمنح نفسها بشكلٍ مُتبادل وتتواصل مع العالم. [51] وكما يذكّر المجمع، فإنّ الإنسان مدعوّ إلى الوَحدة والشّركة مع الله ولا يستطيع "أن يجدَ ذاتَه تمامًا، إلّا ببذلِ ذاته دون مقابل" [52]: وأعمق ما في دعوته هو أن يدخل في حركة محبّة الثّالوث التي تلقّاها وصار مشاركًا فيها.

49. إن كان سرّ الله-محبّة هو مصدر تعليم الكنيسة الاجتماعيّ، فإنّنا نتأمّل في وجهه الأكثر واقعيّة في يسوع المسيح، الكلمة الذي صار بشرًا. لمّا صار إنسانًا، دخل ابن الله في تاريخنا وجسدنا، وحمل إليه الحبّ الذي يوحّده بالآب والرّوح القدس. فيه "يجد سرّ الإنسان نوره الحقيقي" [53]، لأنّ إنسانيّته حرّة تمامًا، ومنفتحة على الآخرين، وقادرة على أن تبني علاقات تضامن وجمال، حتّى بذل الذّات بصورة كاملة. من يؤمن بالمسيح يشارك في عمل التّجديد الكبير الذي افتتحه بسرّ آلامه وموته وقيامته من بين الأموات، ويتعاون في بناء ملكوت الله، ويتعلّم أن يرى في كلّ امرأة ورجل أختًا وأخًا، وأبناء لأب واحد. وهكذا، يسعى إعلان البشارة والخبرة المسيحيّة، بتوجيه الرّوح القدس، إلى إحداث نتائجَ اجتماعيّة في العالم. [54]

50. في جوهر الرّؤية المسيحيّة للإنسان يكمن التّأكيد المهمّ على أنّ الرّجل والمرأة خُلِقا على صورة الله ومثاله (راجع تكوين 1، 26-27) الإله الثّالوث. وبما أنّ كلّ إنسان خُلِق في الأساس من أجل العلاقة، فقد صمّمه الله وأراده ليدخل في مسيرة شركة معه ومع الآخرين ومع الخليقة. لا تعتمد كرامته على قدراته التي يمتلكها، أو ثرواته أو منصبه، أو الخيارات الصّحيحة أو الخاطئة التي يتّخذها، بل هي عطيّة تسبقه وتتجاوزه، وضعها الله تعبيرًا عن محبّته التي لا تنفد أبدًا. لذلك، يبقى الإنسان دائمًا "طريق الكنيسة" [55]، وقلب كلّ مسار حقيقيّ للتنمية البشريّة المتكاملة. [56]

المساواة في الكرامة بين جميع البشر

51. أكّد القدّيس البابا يوحنّا بولس الثّاني أنّ "المعنى العميق لكرامة الإنسان وفرادته، وكذلك الاحترام الواجب لصوت الضّمير، هو بالتّأكيد مكسب إيجابيّ في الثّقافة الحديثة" [57]. يندرج هذا التّأكيد في السّياق الذي رسمه المجمع الفاتيكانيّ الثّاني، الذي لاحظ نموًّا في الوعي بالكرامة السّامية لكلّ إنسان، وبتفوّق قيمته على الأشياء، وبحقوقه وواجباته العالميّة التي لا يمكن انتهاكها. [58] من المهمّ أن نحرص حتّى لا يتلاشى هذا النّمو في الوعي بالكرامة الإنسانيّة تحت ضغط أيديولوجيّات جديدة أو مصالح معيّنة قويّة جدًّا في عالم اليوم. من بين الأيديولوجيّات المنتشرة اليوم، أعتبر إحداها ضارّة بشكل خاصّ، وهي التي ترى أنّه يجب على كلّ إنسان أن يحقّق ذاته وقيمته أو يبرّرها، إلى درجة إعطاء قيمة أكبر لمن هم أكثر كفاءة وأداء. من هذا المنظور، ينتهي الأمر بالإنسان إلى أن يُختزل إلى وسيلة لتحقيق النّتائج، وإلى مورد يُستخدم ويُستغلّ، ولا يُعترف به بعد ذلك كغاية في حدّ ذاته، بل لا يمكن أبدًا استغلال الإنسان كأداة. قيمة الإنسان لا تعتمد على ما يحقّقه أو ينتجه، وهناك حقوق تعود للجميع لمجرّد كونهم بشرًا. ولا يمكن لأيّة سُلطة بشريّة أن تنكرها أو تحدّ منها بشكل تعسّفي. [59] مليار 

52. عندما نتكلّم على الكرامة، فإنّنا لا نستخدم هذه الكلمة دائمًا بالطّريقة نفسها: أحيانًا نشير إلى الكرامة الأخلاقيّة، أي إلى الطّريقة التي يوجّه بها الإنسان خياراته وأعماله، وأحيانًا أخرى نفكّر في الكرامة الاجتماعيّة، أي في ظروف حياة الإنسان والاحترام الحقيقيّ الذي يمنحه إيّاه المجتمع، وفي حالات أخرى، نشير إلى كرامة الحياة، أي إلى الطّريقة التي يدرك بها الإنسان قيمة نفسه وحياته. هذه الأبعاد للكرامة يمكن أن تزداد أو تنقص. وإلى جانب هذه المعاني، هناك مستوى أعمق وأهمّ، وهو الكرامة الوجوديّة. إنّها الكرامة في كلّ إنسان لمجرّد وجوده، ولأنّ الله أراده وخلقه وأحبّه: [60] لا يمكن لأيّة خطيئة، وأيّ فشل، وأيّة إهانة، وأيّ استبعاد أن يَنتقص من قيمة الحياة البشريّة العميقة التي أرادها الله ودعاها إلى الوجود. [61]

53. لذلك، الكرامة الأساسيّة لكلّ إنسان، لا تُشترَى، ولا تُستَحقّ ولا تحتاج إلى إثبات. قدَّم الإعلان الأخير ”الكرامة التي لا حدّ لها-Dignitas infinita“ خلاصة لتعليم الكنيسة في هذا الموضوع: "كلّ إنسان له كرامة لا حدَّ لها، متجذِّرة في نفس كيانه، في جميع الظّروف وفي كلّ حالةٍ أو وضعٍ يوجَد فيه" [62]، أي دائمًا وأبدًا. يمكن القول إنّ كرامة كلّ إنسان لا حدَّ لها، كما قال القدّيس البابا يوحنّا بولس الثّاني [63] لسبَبَين: لأنّ حبّ الله لا حدّ له، وهو الذي يدعوه إلى صداقته، ولأنّه حبّ مطلق بلا شرط أو قيد، أي أنّه يمكن البحث عنه إلى ما لا نهاية ولن يعثر على شيء يتيح بإنكاره أو تكذيبه.

القيمة السّامية لحقوق الإنسان

54. تعترف الكنيسة بامتنان بأنّ "الحركة نحو التّعريف بحقوق الإنسان وإعلانها هي أحد أهمّ الجهود للاستجابة الفعّالة للمتطلّبات الأساسيّة لكرامة الإنسان" [64]. وكما أكّد القدّيس البابا يوحنّا بولس الثّاني، فإنّ إعلان حقوق الإنسان العالميّ، الذي أقرّته الأمم المتّحدة في 10 كانون الأوّل/ديسمبر 1948، لا يزال في زماننا أحد أسمى تعبيرات الوعي الإنسانيّ. [65] وهو "حجر أساس في طريق تقدّم البشريّة الأخلاقيّ" [66]. لذلك، من المنظور المسيحيّ، فإنّ حقوق الإنسان ليست إضافة خارجيّة للإنسان، بل هي ترجمة تاريخيّة لكرامته الجوهريّة، التي يجب على المجتمع الدّولي حمايتها وتعزيزها.

55. هذه الحقوق غير قابلة للنقض، لأنّها "متأصّلة في الإنسان وفي كرامته" [67]. ونتيجة لذلك فهي عامّة ولا يمكن التّنازل عنها بأيّ حال من الأحوال. [68] ولأنّها ترتكز على الكرامة المشتركة لكلّ رجل وكلّ امرأة، فينطوي عليها نتائج عمليّة وآثار قانونيّة، لأنّه "لن يجدي نفعًا إعلان حقوق الإنسان إذا لم يتمّ في الوقت نفسه تنفيذ كلّ ما يلزم لضمان واجب احترامها من قبل الجميع وفي كلّ مكان ولكلّ إنسان" [69]. ومن بين هذه الحقوق، الحقّ الأوّل للإنسان هو الحقّ في الحياة ، منذ لحظة تكوينه وحتّى نهايته الطّبيعية، [70] إذ بدون هذا الحقّ يصبح من المستحيل ممارسة أيّ حقّ آخر. وعندما يُنكر هذا الحقّ الأساسيّ، كما يحدث في الإجهاض المتعمّد، وقتل الأبرياء، والقتل الرّحيم، فإنّنا نواجه خيارات تعتبرها الكنيسة غير مشروعة بشكل خطير. [71]

56. بالنّظر إلى عصرنا، لا يمكننا أن نتجاهل أنّ حماية حقوق الإنسان معرّضة اليوم لخطرَين كبيرَين بشكل خاصّ. الأوّل هو إعلان الحقوق شكليًّا فقط، فيما يقبلون تحت غطاء التّقدّم التّكنولوجيّ، بطريقة مموّهة أو صريحة، بعض الاعتداءات على كرامة الإنسان. أمّا الخطر الثّاني، وفيه في الواقع جذور الأوّل، فهو عدم القدرة على الاعتراف بأساس الطّابع الشّمولي لحقوق الإنسان، لأنّنا توقّفنا عن "البحث عن الأسس العميقة لهذه الحقوق ما وراء خياراتنا وقوانيننا" [72]. دعا البابا فرنسيس إلى عدم التّقليل من شأن هذه المشكلة الأخيرة. وقد ذكّر بأنّ العقل، عندما يسمح لنفسه بالتّساؤل بجدّيّة عن الطّبيعة البشريّة، يكون قادرًا على اكتشاف قِيَمٍ تنطبق على الجميع، لأنّها تنبع من الطّبيعة نفسها. وإذا تمّ التّوقّف عن البحث في هذا المجال فقد يحدث أنّ الحقوق التي تُعتَبر اليوم غير قابلة للمَساس، قد ينتهي بها الأمر في المستقبل إلى أن يتمّ التّشكيك فيها أو إنكارها من قبل من يمسكون بزمام السُّلطة، ربّما بعد الحصول على موافقة ظاهريّة فقط من قبل شعوب خائفة أو تمَّ التّلاعب بها. [73]

57. جنبًا إلى جنب مع زيادة الوعي بقيمة كلّ إنسان وحقوقه، ازداد أيضًا الاعتراف بحقوق الأقلّيّات. ولكن لا يزال هناك طريق طويل لكي يتمّ الاعتراف عالميًّا بالمساواة في حقوق فئة كبيرة من المجتمع، أي النّساء. الواقع هو أنّ "النّساء موجودات في حالة فقر مزدوج، عندما يتعرّضن للإقصاء، أو سوء المعاملة، أو العنف، لأنّه ليس لهنّ الإمكانات نفسها للدفاع عن حقوقهنّ" [74]. لذلك، لا يكفي أن نؤكّد بالقول فقط إنّ الرّجال والنّساء يتمتّعون بالقدر نفسه من الكرامة والحقوق، بل يجب أن يُترجم ذلك إلى خيارات ملموسة، في القوانين، وفي الحصول على العمل، والتّعليم، والمسؤوليّات الاجتماعيّة والسّياسيّة، وفي الطّريقة التي يصغي بها المجتمع إلى مساهمة النّساء ويقدّرهنَّ. طالما استمرّت هذه الفجوة، لن نستطيع أن نقول إنّ المجتمع يعترف حقًّا، وبشكل كامل، بأنّ النّساء لهنّ كرامة الرّجال نفسها.

58. الأشخاص الواقعيّون هم المهمّون، هم وعائلاتهم. لا فائدة من الحركات الاجتماعيّة، أو الإعلانات السّياسيّة الصّارخة أو المؤيّدة للشعب، أو الأيديولوجيّات الاشتراكيّة، إذا لم تؤدِّ إلى تعزيز الإنسان، رجالًا ونساءً، وتأييد حقوقهم غير القابلة للتصرّف. وبالمثل، لا تفيد الإشادة بالحرّيّة الفرديّة وبالمبادرات الخاصّة، إذا قبلنا بعد ذلك أنّ عددًا كثيرًا من النّاس لا يزالوا يعيشون دون عمل كريم، ودون حماية، ودون الحصول على الخيرات الأساسيّة.

مبادئ التّعليم الاجتماعيّ

مبدأ الخير العام

59. الاعتراف بأنّ كلّ امرأة وكلّ رجل يحملان في داخلهما كرامةً غير قابلة للتصرّف وحقوقًا لا يمكن لأيّة سُلطة بشريّة أن تمسّها أو تلغيها، يتطلّب صياغة الطّريقة التي نعيش بها معًا، وخياراتنا الاقتصاديّة والسّياسيّة، والوجه الحقيقيّ لمُدننا. من هنا ينشأ المبدأ الكبير الأوّل للتّعليم الاجتماعيّ الذي أودّ أن أشير إليه: الخير العام. يمكننا أن نصفه بأنّه الصّورة الاجتماعيّة للكرامة المعترف بها للجميع. عندما أشار البابا بندكتس السّادس عشر إلى القِيَمِ غير القابلة للتفاوض التي يجب على الكنيسة الدّفاع عنها دائمًا، شمل بينها "تعزيز الخير العام" [75]. لأنّ الخروج، بالنّسبة للمسيحيّ، من العالم الضّيّق لمصالحه الشّخصيّة والمشاركة، ضمن إمكانيّاته، في العمل من أجل الخير العام، هو أيضًا قيمة غير قابلة للتفاوض، مثل الدّفاع عن الحياة.

60. أكّد المجمع الفاتيكانيّ الثّاني أنّ الخير العام يتحقّق "بمجموعة ظروف حياة اجتماعيّة تجعل من الممكن للتجمّعات ولكلّ واحد من أعضائها تحقيق الكمال الشّخصيّ بأكبر قدر ممكن وبأسهل الطّرق" [76]. هذا التّعريف يقدّم لنا توجيهًا أوّليًّا قيّمًا، لأنّ الخير العام لا يمكن اختصاره إلى مجرّد قائمة من الشّروط أو المؤسّسات. وهو لا يتطابق مع مجموع مزايا الأفراد، ولا مع تقاطع مصالحهم الخاصّة، بل هو خير أكبر، يعود إلى الجميع، ولا يمكن بناؤه وزيادته وحفظه إلّا معًا. يمكننا أن نقول إنّ العمل الاجتماعيّ يبلغ كماله عندما يتّجه نحو هذا الخير المشترك، تمامًا كما أنّ العمل الأخلاقيّ للإنسان يتحقّق في اختيار الخير الحقيقيّ. [77]

61. بهذا المعنى، يمكننا أن نؤكّد أنّ "الكلّ أكبر من الأجزاء" [78]، لذلك، "مجرّد جمع مصالح الأفراد لا يقدر أن يخلق عالمـًا أفضل للبشريّة جمعاء" [79]. إنّها الفكرة الخاطئة القائلة إنّي بتكريس نفسي لنفسي فقط وبتسخير كلّ طاقاتي لتقدّمي الشّخصي، أسهم عمليًّا في الخير العام، وليس من الضّروريّ أن أهتمّ بالآخرين. هذه الرّؤية تتجاهل القيمة الخاصّة والمحدّدة للخير العام: فهو ثمرة "الاعتماد المتبادل" [80]، الذي يخلق شبكة من الخير الاجتماعيّ تنتشر وتعود بالنّفع على الأفراد. الخير العام هو قيمة مضافة، ونتيجة التّفاعل والتّأثير المتبادل الذي يربط بين مختلف الأعمال والمبادرات والجهود والقرارات. لو اقتصرنا على جمع الخيرات الفرديّة فقط، لما كان بالإمكان تفسير وجود هذه القيمة المضافة التي تتجاوز الجميع، وفي الوقت نفسه تُغني الجميع.

62. السّعي إلى الخير العام هو الذي يُعطي الحياة للشعب، والشّعب ليس مجرّد مجموع الأفراد، بل هو واقع حَيّ يتعلّم فيه النّاس أن يدركوا أنّهم مرتبطون بعضهم ببعض ومسؤولون بشكل مشترك عن الشّأن العام. بهذا المعنى، يساهم كلّ إنسان في بناء شعبه "بعملٍ بطيءٍ وشاقّ، يقتضي الرّغبة في الاندماج والتّعلُّم للقيام بذلك، إلى أن تتكوّن ثقافة اللقاء في انسجامٍ المكوّنات المتعدّدة" [81]. العمل معًا للسّعي إلى تحقيق الخير العام يعني العمل معًا ضمن مشروعٍ مشترك. من الواضح أنّه توجد بين الأشخاص المختلفين اختلافاتٌ أيديولوجيّة وعمليّة كثيرة، كما توجد مصالح متباينة ومواجهات متكرّرة، لكن ذلك لا يعني أنّه من المستحيل سلوك طريق الحوار من أجل صياغة قاعدة من التّوافق التي تسمح بإقامة مشروعٍ يشمل الجميع ويسير فيه الجميع معًا.

63. تقع على عاتق الدّولة مهمّة ضمان التّماسك والوَحدة والتّنظيم العادل في المجتمع المدنيّ، حتّى يصير تحقيق الخير العام ممكنًا حقًّا بمساهمة الجميع. هذا يعني، عمليًّا، أنّ السُّلطة العامّة لها مهمّة حسّاسة هي "التّنسيق العادل" [82] بين مصالح القطاعات المختلفة، والسّعي إلى تحقيق التّوازن بين الخير الخاصّ والخير العام للجميع، دون إهمال الأضعفين. عندما تتخلّى السّياسة عن الرّؤية بعيدة المدى وتقتصر على حسابات قصيرة المدى أو استقطابات عقيمة، تفقد خطابات الخير العام مصداقيّتها، وفي الوقت نفسه، يتزايد التّفاوت والانقسامات الاجتماعيّة.

64. هذا الأمر ينطبق أيضًا على السّياسة الدّوليّة. فبينما تتزايد المسافات بين الشّعوب، يتفشّى منطق التّنافس والعدوانيّة، ويتعرّض المسار الصّعب نحو عالم أكثر اتّحادًا وأخوّةً إلى انتكاسات جديدة ومؤلمة. في هذا السّياق، الكلام على مسار مشترك نحو تنمية عادلة للعائلة البشريّة بأسرها "يبدو كأنّه هذيان" [83]. لكن لا يمكننا أن نفقد الأمل. أدعو الجميع إلى أن يفكّروا في أشكال من التّعاون ومؤسّسات دوليّة فيها المزيد من الفعّاليّة، وقادرة على أن تحمي الخير العام العالميّ دون أن تلغي التّعدّديّة المشروعة للشّعوب والدّول. في الواقع، لا يمكن أبدًا فصل تعزيز الخير العام عن احترام حقّ الشّعوب في الحياة، والحفاظ على هويّتها، والمساهمة بأصالتها في عائلة الأمم. [84] أيّة محاولة أو مشروع للقضاء على أمّة أو إخضاعها هو عمل لا أخلاقي جسيم وغير مقبول.

مبدأ الغاية الشّاملة لخيرات الأرض

65. "من بين الأوجه المتعدّدة للخير العام، يظهر فورًا مبدأ الغاية الشّاملة لخيرات الأرض" [85]. هذا المبدأ يذكّرنا أوّلًا وقبل كلّ شيء بأنّ خيرات الأرض، التّربة والمياه والهواء والموارد الطّبيعيّة، هي عطيّة من الله لكلّ العائلة البشريّة لكي تسند حياة الجميع، اليوم وفي الأجيال القادمة، وكلّ إنسان له حقّ أصيل في استخدام هذه الخيرات. ذكّر القدّيس البابا يوحنّا بولس الثّاني بأنّ "الله وهب الأرض للبشريّة جمعاء لكي تعيل جميع سكانها، من دون استثناء أحد أو تفضيل أحد على أحد" [86]. ومن ثمّ "لا يتّفق مع مشيئة الله استخدام هذه الخيرات، بحيث تعود ثمارها بالنّفع على البعض فقط" [87]. اليوم نحن مدعوّون إلى أن نعترف بأنّ الغاية الشّاملة هذه لا تقتصر فقط على الخيرات المادّيّة، بل تشمل أيضًا الخيرات غير المادّيّة والثّقافيّة.

66. يوجد حقّ في الملكيّة الخاصّة له معناه ووظيفته الخاصّة، لكن يبقى هذا المبدأ دائمًا خاضعًا لمبدأ الغاية الشّاملة لخيرات الأرض. بحسب القدّيس البابا يوحنّا بولس الثّاني، هذا الخضوع هو القاعدة الذّهبيّة للسلوك الاجتماعيّ و"هو المبدأ الأوّل لكلّ نظام أخلاقيّ واجتماعيّ" [88]. رأى تقليد الكنيسة في الملكيّة الخاصّة وسيلة لحفظ وإدارة الخيرات بحيث يمكنها أن تخدم الخير العام بشكل أفضل. وبما أنّ "التّقليد المسيحيّ لم يعترف قطّ بحقّ الملكيّة الخاصّة كحقّ مطلق أو لا يمكن المساس به" [89]، فإنّه يجب ألّا تعتبر وظيفته الاجتماعيّة مجرّد رأيٍ لاهوتيّ، بل هو تعليم مؤكَّد في تعاليم الكنيسة، بناءً على الكتب المقدّسة، وعلى تعليم آباء الكنيسة. لذلك، ذكّر البابا فرنسيس بأنّ التّضامن، بمعناه العميق، يعني أيضًا "إرجاع ما يلزم إلى الفقير" [90].

67. اليوم، بين الخيرات المخصّصة للجميع عالميًّا، يجب علينا أن نُدرج أيضًا الأشكال الجديدة للملكيّة الخاصّة: براءات الاختراع، والخوارزميّات، والمنصّات الرّقميّة، والبُنى التّحتيّة التّكنولوجيّة، والبَيانات. في سياقٍ يتزايد فيه اعتماد ثراء الدّول على المعرفة والتّكنولوجيا، عندما تبقى هذه الخيرات مركّزة في أيدي قلّة قليلة، دون أشكال مناسبة للمشاركة والوصول إليها، ينشأ خلل جديد يتعارض مع الغاية الشّاملة للخيرات ويغذّي الفجوة بين المشمولين والمستبعدين، وبين من يمكنهم المشاركة في الثّورة الرّقمية ومن يبقون على هامشها. علاوة على ذلك، فإنّ الاهتمام بالبيت المشترك والمسؤوليّة تجاه الفقراء والأجيال القادمة تتطلّبان أن يتّم تنظيم استخدام خيرات الخليقة والإمكانيّات الجديدة التي توفّرها التّكنولوجيا بطريقة تحترم البيئة، وتجنّب الإسراف وأشكال النّهب الجديدة.

مبدأ اللامركزيّة والتّكامل في اتّخاذ القرار

68. وُلد مبدأ اللامركزيّة والتّكامل في اتّخاذ القرار من نفس النّظرة إلى الإنسان التي وجّهت تفكيرنا إلى الكرامة وإلى الخير العام. إن كانت كلّ امرأة وكلّ رجل مدعوًّا ليصير محورًا أساسيًّا في حياته وليشارك في بناء المجتمع، فإن التّنظيم الاجتماعيّ أيضًا يجب أن يحترم هذه المسؤوليّة ويشجّعها. تعليم الكنيسة الاجتماعيّ يسمّي ”اللامركزيّة والتّكامل في اتّخاذ القرار“ بالمبدأ الذي بموجبه يجب ألّا تستحوذ الجهات العليا على ما يمكن أن يقوم به الأشخاص، والعائلات، والمجتمعات المحلّيّة، والهيئات الوسيطة. يجب على المؤسّسات العليا أن تعترف بحرّيّة وإبداع المستويات الدّنيا وتحميها وتعزّزها، وتنسّق مساهماتها حتّى تتعاون بفعّاليّة من أجل الخير العام. [91]

69. منذ بداية سُلطة تعليم الكنيسة الاجتماعيّ الحديث، وانطلاقًا من البابا لاوُن الثّالث عشر، أصرّت الكنيسة على أنّه يجب على الدّولة ألّا تستحوذ لا على الشّخص ولا على العائلة، بل يجب أن تتركهما يتصرّفان بحرّيّة، قدر الإمكان، دون أن يسبّبا أضرارًا للخير العام. [92] واستأنف القدّيس البابا يوحنّا بولس الثّاني هذه الرّؤية وتعمّق فيها، وذكّر بأنّ المجتمع السّياسيّ هو في خدمة المجتمع المدنيّ وأنّ على الدّولة أن تسهر على الخير العام، وتتدخّل عند الضّرورة، دون أن تحلّ بشكل دائم محلّ مسؤوليّة الهيئات الوسيطة والواقع الاجتماعيّ. [93]  اللامركزيّة والتّكامل في اتّخاذ القرار لا يبرّر لامبالاة الدّولة، بل يوجّه عملها: فالتّدخل العام مطلوب بالتّحديد ليمكّن جميع الفاعلين الاجتماعيّين من القيام برسالتهم دون أن يُسحقوا. يقع على عاتق المجتمع السّياسيّ أن يهيّئ الظّروف التي تسمح للأشخاص، والعائلات، والجمعيّات، والهيئات الوسيطة بأن تحقّق دعوتها الاجتماعيّة، دون استبدالهم أو اختزالهم واعتبارهم مجرّد منفّذين. [94]

70. هذا المبدأ يشجّع على تجاوز كلّ شكل من أشكال الإدارة الأبويّة أو رعاية الحياة الاجتماعيّة، بتعزيز أسلوب المسؤوليّة المشتركة: حيث تقدّر الدّولة مبادرات المواطنين، ويكون المجتمع المدنيّ قادرًا على إنشاء روابط وتفعيل الطّاقات لخدمة الخير العام. في إطار منطق اللامركزيّة والتّكامل في اتّخاذ القرار، القرارات تُتَّخَذ على أقرب مستوى ممكن إلى النّاس المعنيّين، مع تقدير الحياة الاجتماعيّة، بحيث لا يجد الشّعب نفسه أمام قرارات تمّ اتّخاذها مسبقًا، بل يمكنه أن يشارك في مسار بنائها. حيث يتمّ الاعتراف بالعائلات، والجمعيّات، والجماعات المحلّيّة، ومنظّمات العمل التّطوّعي وما يُسمّى بـ”القطاع الثّالث“ ودعمها، تصير الحياة الاجتماعيّة أقرب إلى النّاس، والخدمات أكثر اهتمامًا بالاحتياجات الحقيقيّة، والرّدود أكثر إبداعًا واحترامًا لكرامة كلّ فرد. [95]

71. مبدأ اللامركزيّة والتّكامل في اتّخاذ القرار ينطبق بشكل خاصّ في سياق الثّورة الرّقميّة. المستوى الأعلى هنا ليس الدّولة، بل كلّ فاعل اقتصاديّ وتكنولوجيّ كبير يمارس سُلطة فعليّة على ظروف الحياة المشتركة. المستوى الذي يستوعب الإمكانات والبيانات والقدرة على اتّخاذ القرار يتألّف من الشّركات والمنصّات، التي تحدّد شروط الوصول، وقواعد الظّهور، وأشكال العلاقة وحتّى الفرص الاقتصاديّة. اللامركزيّة والتّكامل في اتّخاذ القرار تتطلّب ألّا تُفرض هذه العمليّات من قبل المراكز العليا بطريقة غير شفّافة ومنحازة لجانب دون آخر، بل يجب أن تكون موجّهة نحو الخير العام بالشّفافيّة والمسؤوليّة وأشكال المشاركة الحقيقيّة (التّدقيق المستقلّ، والشّفافيّة بشأن الخوارزميّات، والتّساوي في الوصول إلى البيانات، وأدوات الاستئناف). [96]

72. في هذا الإطار، الدّول والمؤسّسات فوق الوطنيّة مدعوّة إلى أن تضمن قواعد عادلة وحماية فعّالة، حتّى تستطيع الجماعات المحلّيّة، والهيئات الوسيطة، والمدارس، والجامعات، والواقع الكنسيّ والجمعيّات أن تبدي رأيها وتساهم في التّمييز وتحديد الخيارات التي تؤثّر في حياة النّاس، مثل العمل، وتصل إلى الخدمات، وتُدير البيانات والبيئات الرّقميّة. في الخيارات التي تتعلّق بالتّدفّقات الاقتصاديّة والمنصّات الرّقميّة، وفي إدارة البيانات والخوارزميّات، لا يمكن السّماح لعدد قليل من الفاعلين بتوجيه العمليّات بمفردهم، بل يجب بناء أشكال من التّعاون تحترم مستويات المجتمع العالميّ المختلفة وتجعلها شريكة في المسؤوليّة عن الخير العام. [97]

مبدأ التّضامن

73. بعد أن تناولت الخير العام واللامركزيّة والتّكامل في اتّخاذ القرار، أودّ أن أتوقّف عند مبدأ التّضامن. هذا المبدأ يُولد من الرّؤية للإنسان التي تأتي من الإيمان: كلّ إنسان مخلوق على صورة الله ويدخل في شبكة من العلاقات تربطه بالآخرين، وبالشّعوب، وبالخليقة. ذكّر القدّيس البابا بولس السّادس بأنّ واجبات التّضامن والعدل والمحبّة متجذّرة في الأخوّة الإنسانيّة وفوق الطّبيعيّة التي توحّد البشر والشّعوب فيما بينهم. [98] الأخوّة ليست مجرّد تطلُّع داخلي للمؤمن، بل هي شكل اجتماعيّ وسياسيّ يجب تجسيده في خيارات ومسارات مشتركة. إذن، التّضامن هو الاعتراف الحقيقيّ بأنّ مصير كلّ فرد مرتبط بمصير الجميع: حقًا "ما من أحد يَخلُص وحده" [99]. وهكذا يبدو واضحًا الرّابط الوثيق بين اللامركزيّة والتّكامل في اتّخاذ القرار والتّضامن. عندما لا يرافق التّضامن اللامركزيّة والتّكامل في اتّخاذ القرار، تنتهي الأخيرة بأن تتحوّل إلى مجرّد حماية لمصالح خاصّة، وعندما لا تعزّز اللامركزيّة والتّكامل في اتّخاذ القرار التّضامن، تتحوّل الأخيرة إلى مساعدات لا تشجّع على المسؤوليّة. [100] هذا التّرابط يُشير أيضًا إلى مسؤوليّة المشاركة الحقيقيّة: يتمّ التّعبير عن التّضامن عندما يشارك كلّ فرد، شخصيًّا ومع الآخرين، في حياة المجتمع – يثقّف نفسه، وينضمّ إلى الآخرين، ويُسمع صوته، ويساهم في القرارات والخيارات العامّة – ويتحمّل مسؤوليّات حقيقيّة حتّى يتجسّد الخير العام في خيارات مشتركة.

74. في مجالات عديدة، نختبر بالفعل نوعًا من ”التّضامن الفعليّ“: فحياتنا متشابكة، والاقتصادات والاتّصالات العالميّة تجعل ما يحدث في مكان ما ينتج عنه آثار بعيدة، والشّبكات الرّقميّة تربط الأشخاص والجماعات في كلّ أنحاء العالم في ما بينها في الوقت الحقيقيّ. نسيج العلاقات هذا لا يُعدّ تضامنًا بالمعنى الكامل ما لم يصر خيارًا واعيًا. الإيمان يدعونا إلى أن نقرأ هذه الحقيقة على أنّها دعوة: فنحن لسنا قريبين بعضنا من بعض ببساطة، بل نحن موكولون بعضنا إلى بعض، لكي يتحمّل كلّ واحد، على قدر استطاعته، حياة وجراح أخيه وأخته. التّضامن يولد بالتّحديد عندما نقرّر ألّا نبقى غير مبالين أمام ما يحدث لقريبنا، ونحوّل الرّوابط الحتميّة، الاقتصاديّة والثّقافيّة والتّكنولوجيّة، إلى مسارات للمشاركة والتّعاون والرّعاية المتبادلة، ونتعلّم "التّفكير والتّصرّف من منطق الجماعة" [101].

75. أكّدت سُلطة تعليم الكنيسة الاجتماعيّ على أنّ التّضامن هو مبدأ وفضيلة في آن واحد. هو مبدأ يعبّر عن النّظام الموضوعيّ للعلاقات بين الأشخاص، والمجموعات والشّعوب، ويشير إلى الوعي بالتّرابط المتبادل، بحيث يمرّ خير كلّ فرد عبر خير الآخرين. وهو فضيلة، ويتطلّب "تصميمًا راسخًا ومثابرًا" [102] للعمل من أجل الخير العام، مع اهتمامٍ خاصّ للأضعفين. ذكّر البابا فرنسيس بأنّ التّضامن هو "طريقة لصنع التاريخ" [103] الذي يبني شعوبًا وليس مجرّد جماهير من الأفراد. لذلك، فإنّه ينطوي على أنماط حياة متواضعة ومشتركة، والقدرة على التّخلّي عن المزايا الفوريّة لفتح آفاق مستقبليّة للآخرين، والاستعداد لمراجعة العادات والامتيازات، بما في ذلك المرتبطة بالاستهلاك الرّقمي واستخدام التّكنولوجيّات، عندما تمنع الآخرين من أن يعيشوا بكرامة.

76. في عالم يتّسم بعلاقات أوثق بين الأشخاص، والجماعات والأمم، يكتسب التّضامن بعدًا عالميًّا أيضًا. أشار البابا بندكتس السّادس عشر بقوّة إلى الصّلة بين التّنمية والعدل والمسؤوليّة تجاه الأجيال القادمة، وذكّر بأنّ التّنمية الحقيقيّة تتطلّب تضامنًا بين الأجيال، [104] واهتمامًا بالرّوابط التي توحّدنا بالبيئة الطّبيعيّة. اليوم، هذه المسؤوليّة تمتدّ أيضًا إلى البنى التّحتيّة الرّقميّة والمعلوماتيّة: فمثل البيئة الطّبيعيّة، يمكن أيضًا حماية ”النّظام البيئيّ الرّقمي“ أو استغلاله، أو مشاركته أو احتكاره. التّضامن يتطلّب أن تأخذ الخيارات المتعلّقة بالبيانات، والخوارزميّات، والمنصّات، والذّكاء الاصطناعيّ في الاعتبار ليس فقط المصلحة الفوريّة للبعض، بل التّأثير على الشّعوب ككلّ وعلى الأجيال القادمة.

مبدأ العدل الاجتماعيّ

77. بالنّسبة للجماعة المسيحيّة، العدل الاجتماعيّ هو شكل ملموس من أشكال اتّباع يسوع والأمانة لإنجيله. أعلن يسوع في العهد الجديد ”البشارة للفقراء“ (راجع لوقا 4، 18) وساوى نفسه مع الصّغار، والمرضى، والسّجناء والغرباء (راجع متّى 25، 31-46). هكذا يعلّمنا أنّ العدل يُولد ويتحقّق في الأخوّة، لأنّ الطّريقة التي نتعامل بها مع الأخيرين ونقيم علاقة معهم تصير، بشكل ملموس، مقياسًا لعلاقتنا مع الله ومع الإخوة. لكن العدل لا يتعلّق فقط بسلوك الأفراد، بل أيضًا بالطّريقة التي تمّ التّفكير فيها وتصميم الهيكليّات للعيش معًا. في هذا الصّدد، يذكّر المجمع الفاتيكانيّ الثّاني أنّ كلّ مؤسّسة مدعوّة إلى خدمة الإنسان وكرامته. [105] يتجلّى العدل الاجتماعيّ، إذن، في قدرة النّظام الاجتماعيّ والاقتصاديّ والسّياسيّ على السّماح للجميع، لا سيّما الأكثر ضعفًا، بأن يعيشوا بطريقة إنسانيّة حقًّا، دون أن يُترك أحد في الخلف.

78. أكّدت السُّلطة التّعليميّة الحديثة على أنّ العدل الاجتماعيّ يتطلّب نظرة تنطلق من الأخيرين. تكلّم القدّيس البابا يوحنّا بولس الثّاني على ”خيار تفضيليّ للفقراء“ [106] الذي يجب أن يحدّد الخيارات الشّخصيّة والاجتماعيّة، بينما ندّد البابا فرنسيس بـ"ثقافة الإقصاء" [107] التي تولّد أشكالًا جديدة من الإقصاء بشكل متزايد. من هذا المنظور، يتطلّب العدل الاجتماعيّ النّظر إلى الأشخاص والشّعوب انطلاقًا من الأشدّ ضعفًا: الفقراء، والمهاجرون، واللاجئون، والنّازحون داخليًّا، وضحايا العنف، والأشخاص الذين يعيشون في ضواحي المدن.

79. فكرة ”العدل الاجتماعيّ“ تساعدنا لندرك أنّ الظّلم لا ينشأ فقط عن خيارات خاطئة للأفراد، بل أيضًا عن الهيكليّات، والآليّات، والتّركيبات الاقتصاديّة والثّقافيّة التي تُنتج عدم المساواة بشكل شبه تلقائي. وقد تكلّم القدّيس البابا يوحنّا بولس الثّاني في هذا السّياق على ”هيكليّات الخطيئة“ [108] التي تتعارض مع إرادة الله وتتطلّب التزامًا بالتّوبة الشّخصيّة والاجتماعيّة. من هذا المنظور، لا يقوم العدل فقط بالتّوزيع العادل للخيرات أو بتصحيح الظّلم الحاضر، بل له أيضًا بُعدٌ تعويضيّ. فهو يهدف إلى إصلاح الرّوابط المقطوعة وإعادة دمج من تمّ استبعادهم، مع مراعاة الجراح التي خلّفها الظّلم: الحروب، والاستعمار، والتّمييز العنصريّ أو الجنسيّ، والعنف ضدّ شعوب بأكملها، والاستغلال. قد يعني ذلك إعادة الكرامة والصّوت لمن تمّ تجاهلهم، وتشجيع مسارات شفاء الذّاكرة الجماعيّة، ومكافحة القوانين والممارسات التّمييزيّة، ودعم من لا يزالون حتّى اليوم يتحمّلون عواقب الظّلم الذي تعرّضوا له في الماضي.

80. في هذا الوقت، يجب على العدل الاجتماعيّ أن يتعامل أيضًا مع البيئة التي أوجدتها التّكنولوجيّات الرّقميّة. فانتشار الشّبكات العالميّة والمنّصات وأنظمة الذّكاء الاصطناعيّ غيّر طريقة الحصول على المعلومات والتّواصل والوصول إلى الخدمات. العدل يتطلّب منع ظهور أشكال جديدة من الإقصاء والحرمان من الحرّيّة: الأشخاص والشّعوب الذين يُحرمون من الوصول إلى التّكنولوجيّات الأساسيّة أو يُعرقَل وصولهم إليها، والجماعات المعرّضة للمراقبة المتطفّلة، والمجموعات الاجتماعيّة التي تُعاقب بسبب خوارزميّات غامضة تعيد إنتاج التّحيّزات والتّمييز. النّظام الاجتماعيّ العادل في عصر الرّقميّة هو النّظام الذي يضمن للجميع وصولًا عادلًا إلى الفرص، ويحمي الصّغار والأكثر ضعفًا، ويكافح الكراهية والتّضليل، ويُخضع استخدام البيانات والتّكنولوجيّات للرقابة العامّة، بحيث لا يكون المعيار هو الرّبح فقط، بل كرامة كلّ إنسان وخير الشّعوب.

81. يمثّل وضع المهاجرين واللاجئين والذين يضطرون إلى النّزوح بسبب الفقر والعنف وتغيّر المناخ والكوارث البيئيّة اختبارًا حاسمًا للعدل الاجتماعيّ اليوم. فالطّريقة التي يعاملهم بها المجتمع تُظهر إذا كانت فكرته عن العدل مدفوعة بالخوف أم بالأخوّة. دعا البابا فرنسيس إلى الاعتراف بالمهاجرين ليس كمجرّد مشكلة يجب معالجتها، بل "كصورة حيّة لشعب الله في مسيرته" [109]، أناس يتمتّعون بالكرامة، والموارد والأحلام، ولهم الحقّ في أن يُعاملوا باحترام ويطالبون بأن يصيروا جزءًا فاعلًا في المجتمعات التي تستقبلهم. العدل الاجتماعيّ، في هذا المجال، ينطوي على التزامَين متكاملَين على الأقلّ. من جهة، الحفاظ على حقّ الأمل لمن يُجبرون على الرّحيل، وضمان طرق آمنة وقانونيّة، وظروف استقبال كريمة، ومسارات حقيقيّة للاندماج. ومن جهة أخرى، تعزيز الحقّ في البقاء في أرضهم أيضًا بسلام وأمان، ومواجهة الأسباب الجذريّة التي تجبرهم على الهجرة، بما في ذلك الأسباب المرتبطة بالظّلم الاقتصاديّ والأزمة المناخيّة. عندما تُحترم هذه الحقوق، يمكن أن تصير الهجرة فرصة للالتقاء والغِنى المتبادل بين الشّعوب.

التّنمية البشريّة المتكاملة

82. في الرّسالة البابويّة العامّة ”تقدُّم الشّعوب-Populorum Progressio“، أكّد القدّيس البابا بولس السّادس أنّ التّنمية لا تكون حقيقيّة إلّا إذا كانت ”متكاملة“، أي "تهدف إلى تقدُّم جميع البشر والإنسان بكامله" [110]. في العقود اللاحقة، استأنف تعليم الكنيسة الاجتماعيّ هذه العبارة وتعمّق فيها، وأشار إلى الطّريقة الملموسة التي تتجسّد بها المبادئ الكبرى في التّاريخ: الكرامة، والخير العام، والغاية الشّاملة للخيرات، واللامركزيّة والتّكامل في اتّخاذ القرار، والتّضامن، والعدل الاجتماعيّ. نقصد بـ”التّنمية البشريّة المتكاملة“ عمليّة يؤثّر فيها نمو الأفراد والشّعوب على جميع أبعاد الحياة ويفتح المستقبل أيضًا للأجيال القادمة.

83. التّنمية، بالنّسبة للأفراد وللأمم، هي واجب وحقّ في آن واحد: فهي تتطلّب شروطًا ضئيلة تتيح لكلّ إنسان وكلّ شعب أن ينمو وفقًا لكرامته، دون أن يبقى تابعًا أو محرومًا من الوصول إلى الضّروريّات في الحياة. التّنمية تكون إنسانيّة عندما تضع الإنسان في المقام الأوّل من اهتماماتها، وليس في تراكم الخيرات، وعندما تشمل الشّعوب أيضًا، وليس فقط الأفراد. العدل يتطلّب الاعتراف بالحقوق الاجتماعيّة وحقوق الشّعوب، ويشمل المسؤوليّة تجاه من سيأتي بعدنا. لذلك، لا تُعْتَبر إنسانيّة التّنمية التي تزيد استهلاك البعض وتلقي بأعباء التّكاليف والجراح على عاتق الآخرين، أو التي تُحيل مناطق بأكملها إلى أدوار تابعة وتمنعها من التّعبير عن إمكانيّاتها. [111] تكون التّنمية متكاملة عندما لا تقتصر على المجال الاقتصاديّ، بل تعزّز جودة الحياة في أبعادها الرّوحيّة والثّقافيّة والأخلاقيّة والعلائقيّة، مع احترام بيتنا المشترك، وتنوّع الشّعوب وأساليب عيشها. [112]

84. فكرة التّنمية البشريّة المتكاملة تجد اليوم معيارًا حاسمًا للتحقّق في الإيكولوجيّا المتكاملة، التي صارت بعدًا لا غنى عنه في تعليم الكنيسة الاجتماعيّ. فجودة التّنمية تُقاس بقدرتها على الجمع بين العدل تجاه الإنسان وحماية بيتنا المشترك، دون الفصل بينهما، ما يعزّز ظروف معيشيّة كريمة، والوصول إلى ضروريّات الحياة، وعلاقات اجتماعيّة صحيحة، والعناية بالخليقة، والاهتمام بالأجيال القادمة. ويترتّب على ذلك أنّ التّقدّم الحقيقيّ ليس هو ما يزيد رفاهيّة البعض على حساب تدهور النّظم البيئيّة، أو تحميل الجماعات الأكثر ضعفًا التّكاليف، أو الإضرار بظروف معيشة من سيأتون بعدنا.

85. بهذا المعنى، فإنّ التّنمية البشريّة المتكاملة هي الأفق الذي نقرأ فيه تحوّلات عصرنا، بما في ذلك تحوّلات الثّورة الرّقميّة. الابتكارات التّكنولوجيّة، بما في ذلك الذّكاء الاصطناعيّ، ليست محايدة: يمكنها أن تزيد من المشاركة والعدل، أو أن تزيد عدم المساواة والسّيطرة والاستبعاد. لذلك يجب تقييمها بسؤال حاسم: هل تساهم حقًّا في نموّ الأفراد والشّعوب في الإنسانيّة والأخوّة، مع احترام بيتنا المشترك والأجيال القادمة؟ هنا تصير مبادئ تعليم الكنيسة الاجتماعيّ معايير عمليّة للتمييز في المجالات التي سنتناولها في الفصول التّالية.

اختبار للكنيسة

86. في الختام، أودّ أن أتطرّق إلى نقطة تهمّني بشكل خاصّ. التّعليم الاجتماعيّ ليس مجرّد كلمة موجّهة إلى المجتمع: إنّه أيضًا فحصٌ للضّمير بالنّسبة للكنيسة، التي هي بيتٌ ومدرسةٌ للوَحدة والشّركة، والمدعوّة دائمًا إلى أن تتأكّد من أنّ المبادئ المذكورة في هذا الفصل تُعاش أوّلًا وقبل كلّ شيء في داخلها. الخير العام، في المجال الكنسيّ، يتّخذ شكل أسلوب سينوديّ للرّسالة في خدمة الملكوت. فالكنيسة، هي "الفاعل المجتمعيّ والتّاريخيّ للسينوديّة والرّسالة" [113]. هذا الأمر يتطلّب اهتمامًا بطريقة اتّخاذ القرارات وممارسة المسؤوليّة. حدّدت الوثيقة الختاميّة للسينودس، من بين الممارسات الحاسمة للتحوّل الإرساليّ، ثقافة الشّفافيّة والمُساءلة والتّقييم. [114]

87. في هذه الرّؤية، تصير اللامركزيّة والتّكامل في اتّخاذ القرار معيارًا للحكم والحياة الرّعويّة، وهذا يعني الاعتراف بمسؤوليّة المؤمنين والهيئات الكنسيّة الوسيطة وتعزيزها، وتقدير المواهب والمهارات، وتجنّب كلّ ترحّم يخنق الحرّيّة الإنجيليّة. عمليًّا، فإنّ مشاركة المعمّدين في عمليّات اتّخاذ القرار والمسؤوليّة المشتركة في الرّسالة تمرّ عبر هيئات مشاركة حقيقيّة، لا اسميّة. [115]

88. بالنّسبة للجماعة المسيحيّة، يجد التّضامن منبعه في سرّ المسيح ويتغذّى من الإفخارستيّا. وهو ينشأ من الوَحدة والشّركة في الإيمان والأسرار المقدّسة: المعموديّة والتّثبيت يوحّداننا في المسيح، ليجعلانا جسدًا واحدًا وروحًا واحدة، وقلبًا واحدًا ونفسًا واحدة (راجع أفسس 4، 4؛ أعمال الرّسل 4، 32). والإفخارستيّا، التي هي سرّ الوَحدة، تغذّي انتماءنا إلى جسد المسيح وتعلّمنا المشاركة. الحساسيّات المختلفة الموجودة في الكنيسة، والقناعات القويّة التي تحرّك كلّ فرد، هي ثروة إذا بقيت راسخة في اليقين بالوَحدة كعطيّة نلناها ومهمّة علينا أن نقوم بها.

89. عَيش العدل في الكنيسة يعني إصلاح العلاقات والهيكليّات الكنسيّة من التّشوّهات التي تولّد عدم المساواة والغموض والفساد. في هذا الصّدد، الإصغاء إلى ضحايا الاعتداءات الرّوحيّة والاقتصاديّة والمؤسّساتيّة والجنسيّة، واعتداءات السُّلطة والضّمير هو جزء لا يتجزّأ من مسيرة العدل، التي تشمل الاعتراف بالضّرر والتّعويض العادل والوقاية منه. كلّ سُلطة هي في خدمة الوَحدة والشّركة والرّسالة. كلّ سُلطة هي في خدمة شعب الله. هذه الخدمة لا تتجلّى فقط في الإيمان الذي نحتفل به ونعيشه في الأسرار المقدّسة، وفي اكتساب أسلوب سينودسيّ، بل أيضًا في المشاركة الحقيقيّة في الخيرات: على غرار الكنيسة الأولى، الموارد الكنسيّة مدعوّة إلى أن تصير مشتركة حقًّا، حتّى لا يكون بيننا أحد محتاجًا (راجع أعمال الرّسل 4، 34) وحتّى تعزّز إدارتها رسالة إعلان الإنجيل للفقراء. كما يجب تعزيز أشكال منتظمة لتقييم ممارسة المسؤوليّات الرّعائيّة، لا تكون أحكامًا على النّاس، بل أدوات للتعلّم والتّصحيح موجّهة نحو الرّسالة. [116] بقدر ما نكون منفتحين على عمل الرّوح القدس، ستتجسّد مبادئ التّعليم الاجتماعيّ هذه في الحياة الكنسيّة. بهذه الطّريقة، ستتمكّن الكنيسة من أن تقدّم علامة صادقة للمجتمع، وهي أنّ السّعي معًا من أجل خير الجميع، في إطار المسؤوليّة المشتركة والأخوّة، ليس مجرّد حلم، بل إمكانيّة حقيقيّة. [117]

الفصل الثّالث

التّقنيّة والسّيطرة

عظمة الإنسان أمام وعود الذّكاء الاصطناعيّ

90. بعد أن أشرت إلى المبادئ التي تنير التّعليم الاجتماعيّ، أودّ أن أوجّه نظري إلى بعض التّحدّيات التي تمسّ بشكل مباشر طريقة عيشنا في هذا الزّمن. الصّورة في الكتاب المقدّس التي ترافق هذه الصّفحات هي صورة بناء: من جهة برج بابل، حيث يقود العمل الجماعيّ مشروعًا للسّيطرة وينتهي بتجريد الإنسان من إنسانيّته (راجع تكوين 11، 1-9). ومن جهة أخرى أنقاض أورشليم، التي أعيد بناؤها قطعة قطعة تحت قيادة نحميا، كعمل مشترك مسؤول (راجع نحميا 2-6). نحن مدعوّون إلى أن نسأل أنفسنا عن الورشة الكبيرة في عصرنا: ما الذي نبنيه؟ بينما يغيّر التّطوّر التّكنولوجيّ بسرعة اللغات، والعلاقات، والمؤسّسات وأشكال السُّلطة، يجب علينا نحن المؤمنين، ويمكننا، أن نختار أيّ مشروع نعمل فيه، وبأيّ أسلوب، لكي نحرس ونقدّر الإنسانيّة الرّائعة التي أُعطيت لنا عطيّة. ليس الأمر اختيارًا لمستقبلنا، بل لحاضرنا، لأنّ الذّكاء الاصطناعيّ والتّكنولوجيّات النّاشئة الأخرى هي بالفعل جزء من حياتنا اليوميّة.

91. أنا على قناعة بأنّ الطّريقة العمليّة لنعيش العلاقات الاجتماعيّة في ضوء الإنجيل ليست محدّدة مرّة واحدة وإلى الأبد، بل تبقى مهمّة موكولة، من جيل إلى جيل، إلى الجماعة المسيحيّة. بإرشاد الرّوح القدس، تسمح الكنيسة لكلمة الله بأن تنيرها، لكي تقرأ علامات الأزمنة وتبحث بإبداع عن طرق جديدة حتّى تزداد العلاقات بين الأفراد والشّعوب انسجامًا مع متطلّبات ملكوت الله. [118] لذلك، أشجّع الجميع، لا سيّما المؤمنين العلمانيّين، على ألّا يخافوا من أن يستجيبوا لتحدّيات الواقع، وأن يصغوا بعضهم إلى بعض، وأن يتحمّلوا بثبات مسؤوليّتهم في بناء مجتمع فيه مزيد من الإنسانيّة والأخُوّة.

النّموذج التّكنوقراطيّ والسُّلطة الرّقميّة

92. في الرّسالة البابويّة العامّة ” كُنْ مُسَبَّحًا-Laudato si’“، ندّد البابا فرنسيس بتنامي النّموذج التّكنوقراطيّ [119] في العالم المعولم: أي الميل إلى التّأثّر بمنطق الكفاءة والسّيطرة والرّبح يحكم بمفرده الخيارات الشّخصيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة. وهكذا تَبَيَّن بشكلٍ أوضح أنّ التّقنيّة ليست مجرّد أداة، بل تصير معيارًا، وإذّاك هي التي تحدّد ما هو مهمّ وماذا يمكن إلقاؤه جانبًا، ويصير الإبداع موضوع استغلال، والنّاس حلقات في نظام يريد المزيد من الإنتاج.

93. انتشر هذا النّموذج بسرعة في السّنوات الأخيرة، وذلك أيضًا بفضل انتشار الذّكاء الاصطناعيّ والعلوم المعرفيّة وتكنولوجيا النّانو (nanotecnologia) والرّوبوتات (robotica) وتكنولوجيا الحياة (biotecnologia). هذه الابتكارات، في حدّ ذاتها، يمكنها أن تصير عونًا كبيرًا للتنمية البشريّة المتكاملة ولرعاية بيتنا المشترك. ولكن، بسبب قوّتها بالتّحديد، يمكنها أن تعمل كمُسرّع للنموذج التّكنوقراطيّ، ولذلك فهي بحاجة إلى إطارٍ روحيّ وأخلاقيّ وسياسيّ. الأقوى لا يعني بالضّرورة أنّه الأفضل. بهذا المعنى، تبقى كلمات رومانو غوارديني (Romano Guardini) لها قيمتها في حينها: "الإنسان الحديث لم يُربَّ على الاستخدام الصّحيح للسُلطة" [120] .

94. كان القدّيس البابا بولس السّادس قد أدرك بوضوح هذا الخطر أن تصير البشريّة ضحيّة لإنجازاتها نفسها، عندما حذّر من أنّ "النّموّ الاقتصاديّ بلا حدّ، إذا لم يكن مصحوبًا بتقدّم اجتماعيّ وأخلاقيّ حقيقيّ، ينقلب في النّهاية ضدّ الإنسان" [121]. لهذا السّبب، فإنّ التّقدّم التّقنيّ، الذي هو في حدّ ذاته أمر ثمين، يتطلّب تمييزًا في الرّؤية الأنثروبولوجيّة التي توجّهه وفي الأهداف التي يسعى إليها. وإن سار التّطوّر التّكنولوجيّ دون نضج أخلاقيّ واجتماعيّ مناسب، فقد يحدث أن تزداد الوسائل دون نموّ مماثل في الإنسانيّة: ”يزداد ما نمتلك“ لكنّنا ”لا نزداد في شخصيّتنا“، ويوشك الإنسان بأن يُقيَّم قبل كلّ شيء على أساس الأداء الذي ينتجه. [122]

95. هنا يجب أن نعترف بحقيقة حاسمة، التي أشرت إليها سابقًا: في حالات كثيرة في السّياق الرّقميّ، لا يكون التّحكّم في المنصّات والبُنى التّحتيّة والبيانات والقدرة الحسابيّة من اختصاص الدّول، بل يصير من اختصاص فاعلين اقتصاديّين وتكنولوجيّين كبار الذين يحدّدون، في الواقع، شروط الوصول وقواعد الظّهور وإمكانيّات المشاركة نفسها. وعندما تتركّز قوّة بهذا الحجم في أيدي قلّة قليلة، فإنّها تميل إلى أن تصير غامضة وتَفلت من الرّقابة العامّة، ويزداد خطر النّموّ المشوّه الذي يولّد أشكالًا جديدة من التّبعيّة والاستبعاد والتّلاعب وعدم المساواة.

96. أمام هذا التّركيز على القوّة في العالم الرّقميّ، تصير مبادئ التّعليم الاجتماعيّ الكبرى هي المعايير للحكم على المشهد الجديد وتمييزه، في كرامة الإنسان غير القابلة للتصرّف، والخير العام، والغاية الشّاملة للخيرات، واللامركزيّة والتّكامل في اتّخاذ القرار، والتّضامن، والعدل الاجتماعيّ. إنّها تدعونا إلى أن نتحقّق هل قوّة البُنى التّحتيّة الرّقميّة والخوارزميّات تشجّع حقًّا المشاركة والمسؤوليّة، وتحمي الأكثر ضعفًا، وتضمن الوصول العادل إلى الفرص، وتبقى موجّهة نحو خير الجميع؟ على أساس هذه المقدّمات، يمكننا الآن أن ننظر عن كثب في ماهيّة الذّكاء الاصطناعيّ، والإمكانيّات التي يُتيحها، والمخاطر التي ينطوي عليها.

الذّكاء الاصطناعيّ

97. ليس هدفي هنا أن أقدّم دراسة عن الذّكاء الاصطناعيّ، ولا أن استعرض المراجع التي صارت الآن واسعة جدًّا. فهناك مساهمات موثوقة من قبل حتّى في المجال الكنسيّ يمكن الرّجوع إليها. [123] سأقتصر على الإشارة إلى بعض العناصر الأساسيّة للتمييز الأخلاقيّ والاجتماعيّ الذي يحافظ على أولويّة الإنسان، بحيث يكون الذّكاء البشريّ، بوعيه وحرّيّته، هو الذي يقود الابتكارات التّقنيّة ويحدّد استخدامها وحدودها بمسؤوليّة.

98. من المناسب أن نذكر أوّلًا ملاحظَتَين: الأولى أنّ أيّ قولٍ عن الذّكاء الاصطناعيّ يوشك أن يصير قديمًا في وقتٍ قصير، نظرًا للسرعة المدهشة في تطوّر هذه الأنظمة. والملاحظة الثّانية أنّ جميعنا، بما في ذلك الذين يصمّمون هذه الأنظمة، لا نعرف إلّا القليل عن كيفيّة عملها الفعليّ. فأنظمة الذّكاء الاصطناعيّ الحديثة تنمو شيئًا فشيئًا ولا تُبنَى مرّة واحدة: إذ لا يصمّم المطوّرون كلّ تفصيلٍ فيها بشكل مباشر، بل يبتكرون بنيةً تنمو عليها هذه الأنظمة. ونتيجةً لذلك، تبقى جوانب علميّة أساسيّة، مثل التّمثيلات الدّاخليّة والعمليّات الحسابيّة لهذه الأنظمة، غير معروفة في الوقت الحاضر. ومن هنا تظهر الحاجة الملحّة إلى التزامٍ مزدوج: من جهة التّعمّق في البحث العلميّ، ومن جهة أخرى ممارسة تمييزٍ أخلاقيّ وروحيّ.

99. لا يمكن تقديم تعريفٍ وحيدٍ وشاملٍ للذكاء الاصطناعيّ. ما يمكن تأكيده هو: لا بد من تجنّب الخلط الذي يُساوي بين هذا ”الذّكاء“ و”الذّكاء البشريّ“. فهذه الأنظمة تقلّد بعض وظائف الذّكاء البشريّ. وفي قيامها بذلك، تتفوّق مرارًا عليها من حيث السّرعة والقدرة الحسابيّة، وتقدّم فوائد ملموسة في مجالات كثيرة. مع ذلك، تبقى هذه القوّة مرتبطة حصريًّا بمعالجة البيانات: فما يُسمى بالذّكاء الاصطناعيّ لا يعيش خبرة، ولا يمتلك جسدًا، ولا يمرّ بالفرح والألم، ولا ينضج في العلاقات، ولا يعرف من الدّاخل معنى الحبّ والعمل والصّداقة والمسؤوليّة. كما أنّه لا يمتلك ضميرًا أخلاقيًّا: فهو لا يحكم على الخير والشّرّ، ولا يدرك المعنى النّهائيّ للمواقف، ولا يتحمّل عبء العواقب. يمكنه أن يقلّد اللغات والسّلوكيّات والتّقييمات، ويمكنه أن يُحاكي العاطفة أو الفَهم، لكنّه لا يفهم ما يُنتجه، لأنّه لا يسكن في الأفق العاطفيّ والعلائقيّ والرّوحيّ الذي يصير فيه الإنسان حكيمًا. حتّى عندما تُقدَّم هذه الأدوات لنا على أنّها قادرة على ”التَّعلُّم“، فإنّ طريقتها في القيام بذلك تختلف عن طريقة الإنسان. فهي ليست خبرة من يَسمح للحياة بأن تكوِّنه فينمو بمرور الوقت بالخيارات والأخطاء والمغفرة والأمانة. بل هي بالأحرى تكيّف إحصائيّ انطلاقًا من البيانات والنّتائج، وهو ما قد يكون فعّالًا جدًّا، لكنّه لا ينطوي على نموّ داخليّ.

مساعدة قيّمة تتطلّب التّنبّه

100. في ضوء ما سبق، يمكننا أن نفهم بشكل أفضل لماذا يمكن أن يكون الذّكاء الاصطناعيّ مساعدة قيّمة لنا، وفي الوقت نفسه، يتطلّب نهجًا متّزنًا ويقظًا. في السّنوات الأخيرة، ازداد استخدامه الخاصّ بشكل ملحوظ، وفي أوساط كثيرة يتّم التّفكير في الفرص والمخاطر المرتبطة بانتشاره السّريع. في الاستخدام الشّخصيّ، هناك ثلاثة جوانب، على وجه الخصوص، يجب أخذها في الاعتبار: سهولة الحصول على النّتيجة، والانطباع بالموضوعيّة، ومحاكاة التّواصل البشريّ. السّرعة والبساطة التي يمكن بها الحصول على الإرشادات، والتّحليلات المعقّدة، والمحتوى الإعلاميّ، وأشكال المساعدة الحقيقيّة تبسّط حياتنا، لكنّها قد تعوّدنا أيضًا على الإفراط في التّفويض والبحث عن إجابات سريعة وجاهزة، وهذا يُضعف الحكم الشّخصيّ والإبداع. الانطباع بالموضوعيّة الذي قد تثيره إجابات ومقترحات هذه الأنظمة قد يجعلنا ننسى أنّها تعكس المعايير الثّقافيّة لمن صمّمها ودرّبها، بكلّ مزاياها وعيوبها. التّقليد الاصطناعيّ للتواصل البشريّ الإيجابيّ، كلام يعبّر عن نصائح وتعاطف وصداقة ومحبّة، يمكن أن يبدو لنا مرضيًّا وحتّى مفيدًا، لكنّه قد يضلّل المستخدمين غير الواعين بما يكفي ويخدعهم بأنّهم على علاقة بشخص حقيقيّ. عندما يتمّ محاكاة الكلمة، فإنّها لا تبني علاقة، بل مجرّد مظهر لها. التّقليد الاصطناعيّ لعلاقة الرّعاية أو المرافقة يمكن أن يصير خطيرًا عندما يتسلّل إلى سياق يفتقر إلى العلاقات والمشاعر الحقيقيّة: عندئذٍ لا يقتصر الخطر على أن يعتقد الشّخص أنّه يتحدّث مع شخص آخر، بل أن يفقد الرّغبة نفسها في البحث عن الآخر حقًّا.

101. إن وسّعنا نظرنا إلى استخدام الذّكاء الاصطناعيّ في مجتمعاتنا، نلاحظ أنّه صار حاضرًا الآن في عمليّات صنع القرار في جميع المجالات وعلى مستويات مختلفة: في الاتّصال، والإدارة، والرّقابة. المزايا من حيث الكفاءة وإمكانات تحسين بعض الخدمات واضحة، مع ذلك، فإنّ التّبنّي السّريع وغير النّقديّ يعرّضنا لمخاطر مختلفة، من بينها مخاطر التّقليل من شأن تأثيره البيئيّ. أنظمة الذّكاء الاصطناعيّ الحاليّة تتطلّب كمّيّات كبيرة من الطّاقة والمياه، وتؤثّر بشكل كبير على انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، وتستهلك الموارد بشكل مكثّف. مع زيادة التّعقيد، لا سيّما في النّماذج اللغويّة الكبيرة، تزداد أيضًا الحاجة إلى القوّة الحسابيّة وسعة التّخزين، التي ترتكز على مجموعة من الآلات والكابلات ومراكز البيانات والبنى التّحتيّة المستهلكة للطّاقة. لذلك، من الضّروريّ تطوير حلول تكنولوجيّة أكثر استدامة لتقليل التّأثير على البيئة والحفاظ على بيتنا المشترك. [124]

مسؤوليّة وشفافيّة وإدارة الذّكاء الاصطناعيّ

102. استخدام الذّكاء الاصطناعيّ ليس أمرًا تقنيًّا فقط: فعندما يدخل في عمليّات تؤثّر على حياة النّاس، فإنّه يمسّ الحقوق، والفُرص، والسّمعة والحرّيّة. القرارات الحسّاسة التي تمسّ العمل، والائتمان، والوصول إلى الخدمات وسمعة النّاس، تُوشك أن تُوكل كلّها كاملة إلى أنظمة آليّة لا تعرف "الرّحمة، والمغفرة، وخاصّة الانفتاح على أمل التّغيير لدى الإنسان" [125]، وبالتالي يمكنها أن تُنتج أشكالًا جديدة من الإقصاء. ويمكن أن تكون هناك استخدامات غير إنسانيّة بشكل واضح، مثل التّلاعب بالمعلومات أو انتهاك الخصوصيّة، ويمكن أن يكون هناك أيضًا خطر أقلّ وضوحًا، عندما تعكس أنظمة الذّكاء الاصطناعيّ، التي تظهر على أنّها محايدة وموضوعيّة، وتعزّز الصّور النّمطيّة أو المواقف الأيديولوجيّة لمن صمّمها وهيّأها.

103. في الواقع، إنّ إسناد سُلطة تحديد من يستحقّ ومن لا يستحقّ إلى خوارزميّة بشكلٍ كامل، دون أن يتحمّل أحد بعد ذلك عبء اتّخاذ القرار، يعني إسناد مهمّة إعادة تعريف حدود الإمكانات البشريّة إليها. ما ينقص في هذه العمليّة ليس فقط التّعاطف مع من تمّ استبعاده، الذي يمكن تقليده بشكل مصطنع، بل المسؤوليّة السّياسيّة، لأنّ إقصاء الضّعفاء يتمّ تغطيته بغطاء الحِياد والموضوعيّة، اللذَين يستحيل الاحتجاج عليهما. وهكذا، يصير الظّلم صامتًا، وتختفي الرّحمة والرّأفة والمغفرة من الأفق، لا كمظاهر شكليّة، بل كأعمال سياسيّة.

104. يترتّب على ذلك نتيجة بسيطة لكنّها مهمّة جدًّا: لا يمكننا أن نعتبر الذّكاء الاصطناعيّ محايدًا أخلاقيًّا. في الواقع، كلّ أداة تقنيّة مصنوعة تحمل في ذاتها خيارات وأولويّات: ما تقيسه، وما تتجاهله، وما تحسّنه، والطّريقة التي تصنّف بها الإنسان والمواقف. إن صُمّم نظام معيّن أو استُخدم بطريقة تُعامِل حياة البعض على أنّها أقلّ قيمة، أو يجب استبعادها دون أن يكون لها الإمكانيّة للاستئناف، فهو ليس مجرّد أداة ”يجب استخدامها بشكل جيّد“: إنّه يُؤكّد بالفعل وجود معيار يتعارض مع كرامة الإنسان غير القابلة للتصرّف. لذلك، لا يمكن أن يقتصر التّمييز الأخلاقيّ على السّؤال هل نحن نستخدم نظامًا معيّنًا لهدف جيّد أو سيّئ، بل يجب أن نتساءل أيضًا عن كيفيّة تصميمه وعن فكرة الإنسان والمجتمع التي تنطوي عليها البيانات والنّماذج التي توجّهه. [126]

105. لكي يحترم الذّكاء الاصطناعيّ الكرامة الإنسانيّة ويخدم حقًّا الخير العام، من الضّروريّ أن تكون المسؤوليّات واضحة في جميع المراحل: مِن الذين يصمّمون الأنظمة ويدرّبونها وصولًا إلى الذين يستخدمونها والذين يقرّرون أن يُوكلوا إليها الخيارات العمليّة. مع ذلك، في كثير من الحالات، يمكن أن تكون العمليّات الدّاخلية التي تؤدّي إلى نتيجة ما، غير شفّافة، ما يجعل من الصّعب تحديد المسؤوليّات وتصحيح الأخطاء. وهنا يصير ما نسمّيه ”المساءلة“ أمرًا حاسمًا: أي إمكانيّة تحديد من يجب أن ”يتحمّل مسؤوليّة“ اتّخاذ القرارات، وتبريرها، ومراقبتها، وعند الضّرورة، الطّعن فيها وإصلاح الأضرار النّاجمة عنها. [127]

106. الدّعوة إلى توخّي الحذر، وإجراء تدقيقات صارمة، وأحيانًا إلى إبطاء وتيرة الاعتماد على الذّكاء الاصطناعيّ أيضًا، لا يعني معارضة التَّقدُّم، بل ممارسة رعاية مسؤولة تجاه العائلة البشريّة. هذه الحاجة تزداد إلحاحًا بسبب وجود خلل في التّوازن في كثير من الأحيان بين سرعة التّطوّر التّكنولوجيّ ووتيرة نضوج الوعي والمعايير والضّوابط والمؤسّسات القادرة على تنظيم آثاره. لا يكفي أن نتذرّع بـالأخلاق بشكل عام: بل نحن بحاجة إلى أُطُر قانونيّة ملائمة، ورقابة مستقلّة، وتثقيف للمستخدمين، وسياسة لا تتخلّى عن واجبها. وإلّا، فإنّ التّغيير سيخضع فقط لمنطق تكنوقراطيّ ويُقدَّم على أنّه ضروريّ ولا مفرّ منه، ويفرض في النّهاية قواعد، تُمليها الجهات التي تمتلك البيانات والبنى التّحتيّة والقدرات الحسابيّة.

107. لا يمكننا أن نكتفي بطلب إضفاء الطّابع الأخلاقيّ على الآلة، وما يُسمّى ”مواءمة“ الذّكاء الاصطناعيّ مع القِيَمِ الإنسانيّة، دون أن نتحلّى بالشّجاعة لوضع شرط إضافيّ: إمكانيّة مناقشة القانون الأخلاقيّ الذي سنستخدمه، وإخضاعه لمعايير العدالة الاجتماعيّة المشتركة. وإلّا، فإنّ من يتحكّم بالذّكاء الاصطناعيّ سيفرض رؤيته الأخلاقيّة، التي ستصير البنية التّحتيّة غير المرئيّة للأنظمة. لا نحتاج لذكاءٍ اصطناعيّ فيه الكثير من الأخلاق، إن كانت هذه الأخلاق يحدّدها عدد قليل من الأشخاص. بل نحن بحاجة إلى سياسة أكثر شموليّة، وقادرة على أن تفرض شيئًا من البطء حيث كلّ شيء يتسارع، وتحمي المساحات التي لا تزال المجتمعات فيها قادرة على المشاركة والمساءلة.

108. في الواقع، كما يحدث مع كلّ نقلة تكنولوجيّة كبيرة، يميل الذّكاء الاصطناعيّ قبل كلّ شيء إلى تعزيز سُلطة من يمتلكون من قبل الموارد الاقتصاديّة والمهارات والوصول إلى البيانات. في ضوء الخير العام والغاية الشّاملة للخيرات، تُثير هذه الظّاهرة قلقًا جدّيًّا: فمجموعات صغيرة لها تأثيرٌ كبير يمكنها أن توجّه المعلومات والاستهلاك، وتؤثّر على العمليّات الدّيمقراطيّة، وعلى الدّيناميّات الاقتصاديّة لمصلحتها الخاصّة، ما يتعارض مع العدل الاجتماعيّ والتّضامن بين الشّعوب. لذلك، من الضّروريّ أن يكون استخدام الذّكاء الاصطناعيّ، خاصّةً عندما يتعلّق الأمر بالممتلكات العامّة والحقوق الأساسيّة، مصحوبًا بمعايير واضحة ورقابة فعّالة، تستمدّ استلهامها من المشاركة ومن اللامركزيّة والتّكامل في اتّخاذ القرار: إذ لا يمكن أن نختصر جماعات المؤمنين والهيئات الوسيطة في أناس يتلقَّوْن فقط قرارات اتُّخذت في أماكن أخرى، بل يجب أن يكون باستطاعتها المساهمة في التّمييز والرّقابة. علاوة على ذلك، لا يمكن أن نَعهَد ملكيّة البيانات إلى القطاع الخاصّ وحده، بل يجب تنظيمها. فهي ثمرة مساهمة الكثيرين ولا يمكن بيعها أو تسليمها إلى قِلّة. نحن بحاجة إلى إبداع قادر على إدارتها كخيرٍ عام أو جماعيّ، في منطق المشاركة، كما اقترح القدّيس البابا يوحنّا بولس الثّاني، بخصوص الخير العام. [128]

109. مبادئ التّعليم الاجتماعيّ تساعدنا لنقرأ هذا الواقع الجديد. في عالم تتركّز فيه البيانات، ورأس المال الحاسوبيّ والقدرة التّنظيميّة في أيدي قلّة قليلة، فإنّ الكلام على الخير العام يعني كشف هذا التّفاوت المعرفيّ والاقتصاديّ والسّياسيّ الجديد، وتسمية احتكارات الذّكاء الاصطناعيّ الجديدة. الكلام على الغاية الشّاملة للخيرات يعني إيجاد طرق لضمان الوصول الشّامل إلى التّكنولوجيّات والتّنشئة. الكلام على اللامركزيّة والتّكامل في اتّخاذ القرار يتطلّب حماية قدرة الجماعات على الاختيار والتّصحيح، دون تقييد تدخّلها في دور الرّقابة، بعد أن تكون المعايير قد كُتبت في مكان آخر. الكلام على التّضامن يفرض الاعتراف بالعمل غير المرئيّ، الذي يتمّ استغلاله في كثير من الأحيان، ويغذّي النّماذج الخوارزميّة. الكلام على العدل يفرض علينا أن نطرح أسئلة على جغرافيّات السُّلطة التي تحدّد من يمكنه أن يدرّب النّماذج ومن هو مجرّد موضوع للتدريب، وأن نعترف بأنّ العدل الاجتماعيّ ليس مجرّد هدف يجب حمايته بعد اعتماد التّقنيّات، بل هو شرط مسبق يجب ممارسته في عمليّة التّصميم نفسها.

110. أخيرًا، أودّ أن أستخدم كلمة عزيزة على قلبي: ”نزع السّلاح“. نزع سلاح الذّكاء الاصطناعيّ يعني انتزاعه من منطق التّنافس المسلّح، الذي لم يعد اليوم عسكريًّا فحسب، بل اقتصاديًّا ومعرفيًّا أيضًا. إنّه سباق نحو الخوارزميّة الأكثر كفاءة وقاعدة البيانات الأوسع نطاقًا، بهدف تعزيز ميزة جيوسياسيّة أو تجاريّة على جميع الآخرين. نزع السّلاح يعني كسر هذه المساواة بين القوّة التّقنيّة وحقّ الحكم. نزع السّلاح لا يعني التّخلّي عن التّكنولوجيا، بل منعها من السّيطرة على الإنسان. يعني انتزاعها من الاحتكارات، وجعلها قابلة للنّقاش والطّعن، وبالتّالي للعيش، وإعادتها إلى تعدّديّة الثّقافات البشريّة وأشكال الحياة. المهمّة اليوم ليست أخلاقيّة أو تقنيّة فحسب: إنّها بيئيّة بالمعنى الأكثر جذريّة، لأنّها تستدعي بُعدًا جديدًا لبيتنا المشترك. الذّكاء الاصطناعيّ هو أصلًا بيئة نعيش فيها وقوّة يجب أن نتعامل معها. لهذا السّبب، لا يكفي تنظيمه: بل يجب علينا أن ننزع سلاحه ونجعله مضيافًا.

111. أوجّه نداءً خاصًّا إلى الذين يطوّرون الذّكاء الاصطناعيّ. إنّ الابتكار التّكنولوجيّ يمكن، بطريقة ما، أن يكون شكلًا إنسانيًّا من المشاركة في عمل الخلق الإلهيّ. لذلك يحمل المطوّرون ثقلًا أخلاقيًّا وروحيًّا خاصًّا، لأنّ كلّ خيار تصميميّ يُعبّر عن رؤيةٍ معيّنة للإنسانيّة. وكما أنّ صاحب العمل الفنيّ أو الأدبيّ مُلزَم بأن يأخذ بعين الاعتبار القِيَم التي يُعبّر عنها عمله، كذلك هم مدعوّون إلى التّعامل بجدّيّةٍ تامّة مع القِيَم التي يُدرجونها في مشاريعهم: بروح الشّفافيّة، وبمسؤوليّة تجاه الجماعات المسيحيّة المعنيّة، وبانتباهٍ إلى التحقّق من أنّ ما يتمّ تطويره هو حقًّا خيرٌ حقيقيّ.

ما لا يمكننا أن نفقده

112. بعد أن أشرنا إلى قضايا المسؤوليّة وإدارة الذّكاء الاصطناعيّ، من الضّروريّ أن نرجع إلى موضوعنا المركزيّ: ماذا يعني حماية الإنسان. لا يكمن الخطر فقط في إساءة استخدام بعض التّقنيّات، بل في أنّ النّموذج التّكنوقراطيّ الذي نعيش فيه، مدعومًا بالثّورة الرّقميّة والذّكاء الاصطناعيّ، يجعل رؤية لاإنسانيّة للأمور تبدو صحيحة وطبيعيّة، وترى أنّ كمال الحياة يكمن في امتلاك المزيد، وتقليل الضّعف، والقضاء على المفاجآت، والتّحكّم بكلّ شيء. عندما تصير الفعّاليّة أو القدرة على الإنتاج مقياسًا للقيمة، يميل الإنسان إلى التّفكير في نفسه كمشروع يجب تحسينه أكثر من كونه مخلوقًا مدعوًّا إلى العلاقة وإلى الوَحدة والشّركة.

113. في الواقع، إضفاء طابع المطلق على بُعد واحد فقط من أبعاد الإنسان هو أمر خاطئ دائمًا. فليس النّقص وحده هو الذي يولّد الفوضى. بل إنّ ما ينمو بلا حدود يمكن أن يصير شكلًا من أشكال الفقر. في النّظام البيئيّ، ينكسر الانسجام عندما تتكاثر فصيلة واحدة على حساب الفصائل الأخرى. وفي الإنسان، يحدث الأمر نفسه عندما تدّعي إحدى القدرات أنّها المقياس لكلّ شيء. وهكذا، فإنّ الذّكاء، إن تمّ إضفاء طابع المطلق عليه، ينتهي به الأمر إلى حجب أبعاد أساسيّة أخرى للحياة مثل العاطفة، والإرادة، والتّفاني، والعلاقة. والقوّة التّقنيّة، إن لم يتمّ موازنتها، لا تزيد قدرتنا، بل تزيد وِحدتنا، وتزيد عرضتنا لمنطق الهيمنة والاستبعاد. بالتّأكيد لا يعني ذلك أنّنا نعارض الذّكاء، بل أن نتذكّر أنّه عندما ينطوي على نفسه، ينسى أنّه صُنع لخدمة الحياة والإنسان.

114. لا تُقاس جودة الحضارة بقوّة وسائلها، بل بالعناية بالآخر التي تقدّمها، وبقدرتها على الاعتراف بالآخر كشخص له وجه وليس كوظيفة. إنّ قدرتنا على الاهتمام بعضنا ببعض هي بُعد مهمّ من أبعاد إنسانيّتنا. هذه القدرة تُكتسب وتتحسّن بالخبرة. قراءة قِصّة لطفل، أو مرافقة إنسان كبير في السّنّ، أو أن نجعل مكانًا ما مريحًا، هذه أعمال نعيشها في أجواء عائليّة، لكنّها تساعدنا لنتعلّم ونستوعب أهمّيّة الاهتمام على المستوى الاجتماعيّ، وتدرّبنا على الاعتراف بالآخر كإنسان يستحقّ الاهتمام به. يمكن للتكنولوجيا أن تعزّز أيضًا الاهتمام المتبادل بين الأشخاص، مثلًا، إن قدّمت أدوات تساعد على التّخطيط والتّنظيم، ولكن على شرط ألّا تمَسَّ بحرّيّة الإنسان وحُكمه، فهو فرد يقوم على العلاقات وهو مسؤول عن اتّخاذ القرار.

أصول الرّواية: ما بعد الإنسانيّة وما يتجاوز الإنسانيّة

115. في محاولة لإظهار الافتراضات الثّقافيّة التي ترافق الثّورة الرّقميّة الحاليّة، أودّ الآن أن أوجّه الانتباه إلى بعض التّيّارات التي تفسّر التّقدّم على أنّه تجاوز للإنسان، والتي يمكننا تجميعها تحت اسم ما بعد الإنسانيّة وما يتجاوز الإنسانيّة. وهي تشكّل الخلفيّة الأيديولوجيّة التي تسود بعض مراكز القوّة التّكنولوجيّة وتغزو الخيال الجماعيّ بشكل مبسّط، ولا سيّما في وسائل الإعلام وشبكات التّواصل الاجتماعيّ، وتغذّي الحماسة من أجل تكنولوجيّات جديدة مع رؤية مستقبليّة لـ”إنسان محسَّن“ أو لـ”إنسان هجين“ مع الآلة.

116. ما بعد الإنسانيّة وما يتجاوز الإنسانيّة يشملان في طيّاتهما تيّارات وحساسيّات متعدّدة، ومن الصّعب تقديم وصف موحّد لهما. يمكن تشبيههما بأرخبيل من الجزر المفاهيميّة المختلفة، إلّا أنّها متّصلة ببحرٍ واحد من الافتراضات: مركزيّة التّقنيّة والحلم بتجاوز حدود الحالة البشريّة. بشكل عام، ما بعد الإنسانيّة يتصوّر تعزيزًا للإنسان بالتّقنيّات (طبّ الحياة، وهندسة الجسد، والأجهزة، والخوارزميّات)، مع السّعي إلى زيادة الأداء والقدرات. أمّا ما يتجاوز الإنسانيّة، وخاصّة في أشكالها الأكثر جذريّة، فتذهب إلى أبعد من ذلك: تنتقد مركزيّة الطّابع الإنسانيّ وتطرح شكلًا من أشكال التّهجين بين الإنسان والآلة والبيئة، إلى حدّ أن تتخيّل عبورًا لعتبة تتخطّى فيها البشريّة ذاتها وتدخل مرحلة تطوّريّة جديدة. حتّى عندما تبقى هذه الفرضيّات فرَضيّة إلى حدّ كبير، فإنّها تكتسب أهمّيّة، لأنّها تشكّل الخيال الجماعيّ، وبالتّالي توجّه الخيارات الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسّياسيّة. [129]

117. النّقطة الحاسمة، في ضوء تعليم الكنيسة الاجتماعيّ، ليست استخدام التّقنيّة في حدّ ذاتها، بل الرّؤية الكامنة وراءها: إن عُومل الإنسان على أنّه مادّة يجب تحسينها أو تجاوزها، حينئذ يصير من الأسهل أن نقبل اعتبار البعض أقلّ فائدة، أو غير مرغوب فيهم، وأقلّ كرامة. فباسم التّقدّم، يمكننا أن نصل إلى أن نتصوّر ”تضحيات ضروريّة“، وأن نجعل الأضعفين يدفعون ثمن تحسين مزعوم للجنس البشريّ. لذلك، يبقى تحذير القدّيس البابا بولس السّادس، الذي سبق ذكره، واضحًا جليًّا: إذ إنّ انجازات العِلم والتّقنيّة، بمعزل عن تقدّم أخلاقيّ واجتماعيّ حقيقيّ، تنقلب في النّهاية ضدّ الإنسان. [130] لهذا، من الضّروريّ أن نميّز بوضوح: فدمج التّقنيّات في رؤية إنسانيّة وعلائقيّة شيء، وأن يقودنا تخيّلٌ يُلغي الحدود ويَعدنا ”بخلاصٍ“ تقنيٍّ محض شيء آخر.

الحدود، والقلب، وعظمة الإنسان

118. علاقتنا بالحياة تبدو أنّها في أزمة اليوم. فكلّ ما يظهر ”حدًّا“ – العجز، والمرض، والشّيخوخة، والألم، والضّعف – يُنظر إليه أوّلًا على أنّه خطأ يجب تصحيحه، أكثر من كونه مساحة ينضج فيها الإنسان وينفتح على العلاقة. بدل ذلك، يجب علينا أن نتذكّر أنّ الإنسان لا يزدهر بالرّغم من الحدود، بل غالبًا من خلالها. إنّ رؤية الواقع في نور الإيمان تساعدنا لندرك ما نسميّه ”العَرَض“ في أمور هذا العالم. فمن جهة، إن كان يجب علينا أن نسعى إلى إزالة الألم الذي يميّز الحياة البشريّة، من جهة أخرى، من الحكمة أن نعترف بمحدوديّتنا الجوهريّة، ونحن نعلم أنّ "الخبرة الدّينيّة ولا سيّما خبرة الإيمان المسيحيّ تقترح أن نعيش، دون تبسيط، هذا التّناقض بين عظمة الإنسان وحدوده، ونفهمه في ضوء العلاقة الأصليّة والأساسيّة مع الله" [131].

119. في محدوديّتنا بالذّات نجد الرّأفة، والقلق الصّادق إزاء احتياجات الآخرين، والكرم الذي يفاجئنا حتّى في خضمّ الظّلام والفشل، والخبرة الرّوحيّة والسّجود لله. نرى ذلك في لحظات كثيرة تتجسّد فيها الحدود في حياتنا، عندما يواجهنا الرّفض، وعندما نتألّم من مرض أو وفاة شخص عزيز، وعندما نختبر العجز أو الفشل. بشكل عجيب، في هذه المواقف بالتّحديد يمكننا أن نجد حكمة جديدة، ونلمس مودّة النّاس لمس اليَد، ونختبر حضور الرّبّ يسوع.

120. إذا ظهرت الحدود وكانت فينا ألَمًا داخليًّا، تقول لنا الحكمة البشريّة ألّا نزيلها ولا نكبتها، بل ندمجها في حياتنا. لكي نلغي الألم بصورة تامّة، يجب، في النّهاية، أن نطفئ الحبّ والرّغبة أيضًا. في الواقع، من يحبّ ويرغب، لا يمكنه أن يتجنّب المرور بالمحنة والألم، ولهذا السّبب، على مرّ السّنين، نحتفظ في داخلنا بتعاليم تنطبع فينا مثل ندوب، وذكرى للمسيرة التي قطعناها بين الحرّيّة والسّقطات، وبين الأحلام وخيبات الأمل. بفضل تداخل هذه العناصر فقط، تحدث في قلبنا معجزات الرّوح التي تجعلنا نتذوّق أجمل طعم لأنّنا بشر. [132] إنّ التّخلّي عن هذه المغامرة، وهي مأساة وجمال في الوقت نفسه، باسم تجاوز مزعوم لكلّ الحدود، يمكن أن يؤدّي إلى كلّ شيء، لكنّه لن يزيد الإنسان إنسانيّة.

121. إنّ الفساد الأخلاقيّ النّاجم عن محدوديّتنا البشريّة - الشّرّ الذي يهزّ قلب الإنسان بوضوح - يدمّر المجتمع والحياة، ويصل إلى أقصى درجات اللاإنسانيّة. مع ذلك، حتّى هذا الشّكل المؤلم من المحدوديّة يترك بصيصًا من الخير. حتّى عندما ينحرف الإنسان عن إنسانيّته ويتسبّب في المآسي، يبقى هناك نورٌ ضئيل يشعّ في الإنسانيّة وقادر على أن يشتعل من جديد، بنعمة الله، في مسارات التّوبة والمصالحة. قال فيكتور فرانكل بحقّ: في لحظات الرّعب "تعرَّفنا على الإنسان كما هو، على حقيقته. ففي النّهاية، الإنسان هو الكائن القادر على اختراع غرف الغاز في أوشفيتز (Auschwitz)، ومع ذلك هو أيضًا الكائن الذي دخل غرف الغاز تلك نفسها وهو يتلو الصّلاة الرّبّانيّة أو ”شِماع يسرائيل“ على شفتيه" [133].

122. المحدوديّة، عندما نتقبّلها في حقيقتها، لا تُفقِر الإنسان بل تفتح نفسه على إدراك وجه الله والآخر. ولأنّه يختبر الحدود، مثل الضّعف، والألم، والفشل، يمكنه أن يعترف بكرامته وكرامة الآخرين التي لا يجوز لأحد الاعتداء عليها. وفي خبرة الحدود نفسها، يبقى قادرًا على أن يشعر بأخوّة أكبر منه، ويعترف بالظّلم بأنّه شكٌّ وعَثرَة. الثّقافة والفنّ، عندما يكونان أصيلَين، يحفظان هذه الشّرارة، ويمنعان تطبيع الشّرّ. وهكذا اكتسبت بعض الأعمال الأدبيّة قيمة شبه نبويّة: مثل السّيمفونيّة التّاسعة لبيتهوفن كأنّها تعبِّر عن الرّغبة في الوَحدة، ولوحة غيرنيكا (Guernica) صوتًا يندِّدُ باللاإنسانيّة، والفيلم ”قائمة شندلر“ (La lista de Schindler) مثل دعوة إلى عدم نسيان الماضي.

123. لا يظهر التّاريخ فقط كفهرس لأعمال العنف التي ارتكبناها، بل أيضًا كدليل على أنّ الإنسان يعرف أن ينشئ مؤسّسات قادرة على حماية الحياة المشتركة. في القرنَين الأخيرَين، نرى ذلك في بعض الإنجازات الرّمزيّة: تأسيس اللجنة الدّوليّة للصّليب الأحمر (1863)، التي تضمن حيادها العمليّ رعاية رحيمة للجميع، والعمليّة الطّويلة التي أدّت إلى إلغاء العبوديّة، والتي لم تكن مجرّد تغيير قانونيّ بسيط، بل تحوّل في الوعي. وتأسيس منظّمة الأمم المتّحدة (ONU) (1945) والإعلان العالميّ لحقوق الإنسان (1948)، اللذان حددّا لغة مشتركة للتعبير، على الأقلّ كمَثَل أعلى مُشترك، عن أنّ كرامة الإنسان شاملة. واتّفاقيّة اللاجئين (1951) التي تعترف بواجب حماية من يهربون من الاضطهاد والتّهديدات. في هذه الأمثلة، تُترجم الرّغبة في الخير بشكل ملموس إلى أشكال عامّة - قواعد، ومؤسّسات، وممارسات - قادرة على تقييد القوّة والدّفاع عن الضّعفاء. لكن لا شيء من ذلك وُلِدَ من دون أن يواجه مقاومة، ومصالح مسكينة، وكَسَل ثقافي. الإنجازات الأخلاقيّة تتّخذ دائمًا تقريبًا شكل مسيرة طويلة وشاقّة، وتتخلّلها أيضًا انتكاسات: لنفكّر في عمليّات السّلام المتوقّفة أو الالتزامات البيئيّة التي يتمّ تطبيقها ببطء. ومع ذلك، فإنّ ضعف هذه النّتائج يُبَيِّن مدى أهمّيّة مسؤوليّة الذين يُطلقونها ويعزّزونها.

124. بعض الأحداث تساعدنا لنرى أنّ التّاريخ يمكن أن يتغيّر عندما يأخذ رجل واحد أو امرأة واحدة فقط كرامة الجميع على محمل الجدّ حقًّا: مثلًا حركة الحقوق المدنيّة في الولايات المتّحدة الأمريكيّة، المرتبطة أيضًا بشهادة مارتن لوثر كينغ الابن، أو نهاية الفصل العنصريّ في جنوب أفريقيا بعد تحرير نيلسون مانديلّا واختياره ألّا يسلّم المستقبل للكراهية. في سياقات مختلفة، ظهرت أيضًا نساء شجاعات وسخيّات مثل القدّيسة لاورا مونتويا (Laura Montoya) والقدّيسة تيريزا من كالكوتا (Teresa di Calcutta)، ودوروثي داي (Dorothy Day)، وماريا سكلودوفسكا-كوري (Maria Skłodowska-Curie)، وماريا مونتيسّوري (Maria Montessori)، وإليزابيث إليوت (Elisabeth Elliot)، ووانجاري ماثاي (Wangari Maathai) وبينازير بوتو (Benazir Bhutto)، وغيرهنّ كثيرات من جميع القارّات، اللواتي ساهمن بجهودهنّ في وضع مزيد من الإنسانيّة في التّاريخ.

125. إلى جانب هذه العلامات العامّة، هناك نسيج أكثر خفاءً ولكنّه حاسم: الجماعات الرّهبانيّة التي اختارت الأماكن الفقيرة والخطرة، وشهداء الأخوّة والعدل مثل القدّيس ماكسيميليان ماريا كولبِه (Massimiliano Maria Kolbe)، والقدّيس أوسكار روميرو (Oscar Romero)، والطّوباوي إنريكي أنجيليلي (Enrique Angelelli)، إلى جانب الشّهود الذين جسّدوا، في ظروف قاسية وفي كثير من الأحيان غير إنسانيّة، رجاء الإنجيل وكرامة الإنسان، مثل المكرَّم فرانسوا-خافيير نغوين فان ثوان (François-Xavier Nguyễn Văn Thuân). وقبل كلّ شيء، ”شهداء الحياة اليوميّة“ الذين يرعون، ويربّون، ويرافقون، ويواسون دون جلبة، مثل الآباء والأمّهات، والممرّضين، والأطبّاء، والمتطوّعين، والأشخاص الذين يبقون إلى جانب شخصٍ مُسنّ أو مُستَبعد. شهادتهم تُبَيِّن أنّ الخير لا يتحقّق بصورة آليّة، بل يتطلّب مثابرة، وذاكرة، وتوبة تجعلنا قادرين على أن نبدأ من جديد حتّى بعد الهزيمة.

126. هذا التّداخل بين المؤسّسات العادلة والشّهادات الصّادقة والأمانة اليوميّة هو الذي يبقي الرّجاء حيًّا ويشير إلى التّوجُّه الواجب اتّباعه: تنمية التّقنيّة دون إضعاف القلب. لهذا السّبب، يجب ألّا نستبدل الإنسانيّة، الرّائعة والجريحة، ولا أن نتجاوزها: يمكنها أن تستقبل التّقدّم التّقنيّ لتخفيف الألم وفتح إمكانيّات جديدة، شَرط ألّا تُنكر ما يجعلها هي نفسها، أي القدرة على التّواصل والحبّ. وهنا يُطرح سؤال حاسم: إن كان هناك ”شيء حقيقيّ أكثر من الإنسان“، فأين هو؟ الإيمان المسيحيّ يُجيب بالإشارة إلى تحقيق لا يأتي من تأليه التّكنولوجيا، بل من الكمال الذي تمنحه نعمة الله التي نلناها في المسيح.

”الشّيء الحقيقيّ الذي هو أكثر من الإنسان“: النّعمة ومذهب الإنسانيّة المسيحيّة

127. العبارة، ”أكثر من الإنسان“ ليست من لغة الوعود التّقنيّة فقط. منذ قرون، يؤكّد التّقليد المسيحيّ أنّ الإنسان ليس محصورًا في حدود طبيعته، بل هو مدعو إلى تجاوز نفسه: لا إلى هروب من الواقع أو ازدراء للحدود، بل ليكتمل في المحبّة. الإيمان يعرف ”شيئًا آخر، أكثر من الإنسان“، وهذا يُولد من عطيّة الله. هذا التّحوّل هو عمل الرّوح القدس. كما علّم القدّيس توما الأكوينيّ، فإنّ عمليّة الارتقاء والتّحوّل هذه "تتجاوز ماهيّة الطّبيعة" [134]، لأنّ هناك مسافة لا نهائيّة [135] بين طبيعتنا وبين حياة الله. ومع ذلك، يمكننا أن ندخل في هذه الحياة التي لا تنفد، حتّى ونحن نسير في حدود هذه الأرض. لكن الذي يجعل ذلك ممكنًا لا يمكن أن يكون إلّا اللانهائي الذي يمنح ذاته: هو الله نفسه الذي يتجاوز التّفاوت ”اللامتناهي“. [136] هكذا تحدث إعادة خلق الإنسان: "فإِذا كانَ أَحَدٌ في المسيح، فإِنَّه خَلْقٌ جَديد. قد زالتِ الأَشياءُ القَديمة وها قد جاءَت أَشياء جَديدة" (2 قورنتس 5، 17).

128. عنما نقبل إمكانيّة تجاوز ذواتنا بنعمة الله، فإنّنا لا نُنكر أنفسنا، ولا تنقص إنسانيّتنا. بل هو العكس تمامًا، كما شرح البابا فرنسيس: "نصير إنسانًا بكلّ معنى الكلمة عندما نصير أكثر من إنسان، عندما نسمح لله بأن يرفعنا إلى ما فوق أنفسنا فنبلغ أعمق حقيقتنا" [137]. هنا يكمن الاختلاف الجذريّ عن أحلام بروميثيوس: ما ينقذ الإنسان ليس الاكتفاء الذّاتي في ذات تزداد قدرة، بل هي علاقة تحرّر، ووَحدة وشركة مع آخر تغيِّر. أمام هذا، يمكن للتكنولوجيا التي تصنّف وتُحسّن ما هو موجود بالفعل، أن تصير، دون قصد، عائقًا أمام التّغيير والنّموّ. بالنّسبة للخوارزميّة، الخطأ هو شيء يجب تصحيحه، أمّا بالنّسبة للإنسان، فقد يكون الخطأ بداية لتغيير عميق فيه. مستقبل الإنسان غير قابل للحساب، بل هو موكول إلى حرّيّته، التي ترتفع بنعمة الله غير المتناهية وبالرّوابط التي ينمّيها.

مدينتان وحُبّان

129. الإنسانيّة المسيحيّة لا ترفض العِلم والتّقنيّة، بل تتقبّلهما بشكرٍ وواقعيّة، وتضعهما ”راسخَين“ ضمن دعوة أسمى. ذكاء الإنسان الإبداعيّ هو عطيّة يمكنها أن تخفّف الألم وتفتح إمكانيّات جديدة، لكن هذا الذّكاء يجب أن يبقى مكرّسًا للخير العام، والعدل، والاهتمام بالضّعفاء والخليقة. بهذا المعنى، نحن أمام خيارَين، وليسا الاندفاع إلى العمل أو الخوف من العمل، بل أمام طريقَتَين للبناء: إمَّا تقدّم يخدم الإنسان والشّعوب، أو تقدّم يخضعهم لمنطق القوّة. في النّهاية، يبقى السّؤال الحاسم هو الذي أشار إليه القدّيس البابا يوحنّا بولس الثّاني: هل الذّكاء الاصطناعيّ "يجعل حياة الإنسان على الأرض، في جميع جوانبها، أكثر إنسانيّة؟ هل يزيد الإنسان كرامة؟" [138]. إن كانت الإجابة ”نعم“، عندئذ يمكننا أن نرى فيها فرصة جيّدة لنعيشها بمسؤوليّة، في مسيرة إعادة بناء صابرة ومشتركة، على مثال نهضة أورشليم التي يرويها سفر نحميا. أمّا إن كانت القوّة تنمو بينما القلب يجفّ والرّوابط تنقطع، إذّاك نحن أمام شكل جديد من أشكال بابل: بناء ضخم، لكنّه غير إنسانيّ.

130. أن نتساءل عن هذا الخيار للتقدّم وعن طريقتنا في تفسيره وعيشه يعني دائمًا، في الأساس، أن نتساءل أيضًا عن قلبنا. في الواقع، الطّريقة التي نفكّر فيها ونبني بها العلاقات والعمل والمؤسّسات، تعبّر عن قيمنا الأساسيّة، وتنبع في النّهاية مِن كلّ ما هو عزيز على قلبنا. الحبّ هو الذي يقودنا: فما نُحبّه حقًّا، سواء كأفراد أو كمجتمع، هو الذي يوجّه حياتنا وأعمالنا. وصف القدّيس أَغُسطِينُس التّاريخ البشريّ بأنّه ساحة صراع بين حُبَّين، شكّلا طريقَتَين للعيش والتّعايش في العالم، ”مدينَتَين“: من جهة حُبّ الله والقريب، ومن جهة أخرى حُبّ الذّات فقط. "حبّان صنعا مدينَتَين: المدينة الأرضيّة هي حُبّ الذّات إلى حدّ ازدراء الله، والمدينة السّماويّة هي حُبّ الله إلى حدّ ازدراء الذّات" [139]. كما هو الحال في كلّ تاريخ البشريّة، إنّ هذَين الحُبَّين يتصارعان اليوم أيضًا في قلوبنا من أجل السّيادة. لا يُستَثنَى عصر الذّكاء الاصطناعيّ من هذه القاعدة: فبناء بابل أو بناء أورشليم يبدأ في كلّ واحد منّا.

الفصل الرّابع

حماية الإنسان في خضمّ التّحوّل

الحقيقة، والعمل، والحرّيّة

131. بعد أن حدّدنا الأفق الذي يقع فيه تحدّي التّحوّل التّكنولوجيّ، لا سيّما التّحدّي المرتبط بالذّكاء الاصطناعيّ والتّيّارات ما بعد الإنسانيّة وما يتجاوز الإنسانيّة، لا يمكننا أن نبقى عند مستوى التّحليلات العامّة فقط. عندما تتغيّر اللغات والأدوات، تتغيّر أيضًا الأعمال اليوميّة والعلاقات الاجتماعيّة. لذلك، يجب علينا أن نتوقّف عند بعض المجالات حيث يكون لهذه التّحوّلات نتائج عمليّة جدًّا، وقد تكون أحيانًا مأساويّة. في ضوء مبادئ تعليم الكنيسة الاجتماعيّ، يتطلّب منّا التّحوّل الرّقميّ أن نكتشف الحقيقة ونرى أنّها خير عام، وأن نحمي كرامة العمل، وأن نحافظ على الحرّيّة فلا تخضع لأيّ نوع من التّبعيّة أو التّجارة.

الحقيقة هي خير عام

الحقيقة والدّيمقراطيّة

132. استخدام المنصّات الرّقميّة وأنظمة الذّكاء الاصطناعيّ يؤدّي إلى تسريع التّغيّرات العميقة في مجال الاتّصال العامّ والسّياسيّ. هذه الأدوات، التي يمكن أن تشجّع على المقارنة والمشاركة، تُستخدم مرارًا لإنشاء روايات مشوّهة وطمس الحدود الفاصلة بين ما هو صحيح وما هو زائف، وخلط بين البيانات والآراء. لم تنشأ المعلومات المضلّلة مع الذّكاء الاصطناعيّ، لكنّها تجد فيه اليوم عاملًا قويًّا لزيادتها. إنّ إمكانيّة التّلاعب بالمحتوى، والصّور ومقاطع الفيديو تعرِّض المواطنين لوجهات نظر جزئيّة أو مضلّلة. المشكلة تكمن بالبعد الثّقافيّ والأخلاقيّ، لأنّ جودة التّواصل العام تعتمد بشكل مباشر على الثّقة في المجتمع وتؤثّر عليها. فالمعلومات الصّحيحة، لا تنشأ عن رقابة مركزيّة أو آليّة. في الخطاب العام، تمتلك حقيقة الوقائع بعدًا عقلانيًّا، لأنّها تتطلّب التّحقّق، والتّأكّد من المصادر والمسؤوليّة في الحجّة، لكنّها أكثر ارتباطًا بالعلاقات: فهي تُبنى بروابط الثّقة والممارسات المشتركة، في مواجهة صادقة مع الآخرين ومع العالم. البحث المشترك في حقيقة الوقائع، باعتبارها خيرًا عامًّا، يمكنه أن يؤسّس لاتّصال عادل.

133. الذين يمتلكون موارد تقنيّة واقتصاديّة قويّة، ومعها أيضًا موارد بشريّة كثيرة للتدخّل، لديهم قدرة كبيرة ومهمّة على إحداث تغييرات ثقافيّة، وفي نهاية المطاف، على إقناع عدد كبير من النّاس بما هي حقيقة الإنسان، والعالم، ومعنى الحياة، والعائلة، وحتّى الله. هذه محض قوّة مجرّدة من الحقيقة، التي تفرض بشكل لطيف أو صريح ما تريد أن يعتبره الآخرون حقيقة. وراء كلّ ذلك يوجد جذر مريض يصعب التّعرّف عليه: وهو أنّ "الإنسان المعاصر لديه قناعة خاطئة بأنّه هو المبدع الوحيد لنفسه، ولحياته، وللمجتمع. إنّها غطرسة ناتجة عن انغلاق أنانيّ على الذّات" [140]. لذلك، فهو يعتقد أنّه قادر على بناء الواقع، وأنّ ما يتناسب بشكل أفضل مع مطالبه هو الصّحيح. تأمّل القدّيس البابا يوحنّا بولس الثّاني في عواقب ”الأزمة حول الحقيقة“، وأكّد أنّ: "بعد التّخلّي عن فكرة الحقيقة الكونيّة في الخير التي يمكن للعقل البشريّ أن يعرفها، تغيَّر أيضًا حتمًا مفهوم الضّمير نفسه" [141]. وهكذا، ينقص الاعتراف بالحقيقة الكونيّة التي تسبقنا، والتي يجب أن يقبلها الضّمير. وهذا ما دفع البابا فرنسيس إلى أن يسأل بواقعيّة: "ما هي قيمة القانون دون القناعة التي يتمّ بلوغها بعد مسيرة طويلة من التّأمّل والحكمة، بأنّ كلّ إنسان هو مقدّس ولا يجوز الاعتداء عليه؟"، ثمّ اختتم وقال: "لكي يكون للمجتمع مستقبل، من الضّروريّ أن يكون فينا احترام صادق لحقيقة كرامة الإنسان التي نخضع لها جميعًا. إذّاك لن نتجنّب قتل أحدٍ فقط خوفًا من الإدانة الاجتماعيّة أو وطأة القانون، بل عن قناعة. إنّها حقيقة لا يمكن التّخلّي عنها، ندركها بالعقل ونقبلها بالضّمير. المجتمع راقٍ ونبيل إن اهتمّ بالبحث عن الحقيقة وتمسّك بالحقائق الأساسيّة" [142].

134. البحث عن الحقيقة عنصر أساسيّ للديمقراطيّة، وهي بدورها أداة للمشاركة في الخير العام. عندما يفقد السّؤال حول ما هو صحيح أهمّيّته وتترسّخ براغماتيّة تكتفي بما يبدو مفيدًا أو فعّالًا، تضعف الحياة الدّيمقراطيّة. في الواقع، هي لا تعيش فقط على القواعد والإجراءات، بل قبل كلّ شيء على علاقة صادقة مع الحقائق وتوجّه حقيقيّ نحو خير الإنسان والمجتمع. عدم الاهتمام بالحقيقة يؤدّي ببطء ولكن بشكلٍ لا مفرّ منه إلى الانزلاق نحو الشّموليّة الاستبداديّة، التي لا يُعتبر فيها المواطن المثاليّ هو الذي له قناعات أيديولوجيّة، كما كتبت الفيلسوفة حنَّة أريندت (Hannah Arendt)، بل "الفرد الذي لم يعد له القدرة على التّمييز بين الواقع والخيال (أي واقع الخبرة)، ولا بين الصّواب والخطأ (أي قواعد الفكر)" [143].

التّواصل والخيال الجماعيّ

135. في هذا الأفق، من المهمّ أن نتذكّر أنّ التّواصل "ليس مجرّد نقل المعلومات، بل هو خلق ثقافة" [144]. فالمحتويات التي تنتشر في الأوساط الرّقميّة تؤثّر على الطّريقة التي ينظر بها النّاس إلى العالم، وتدخل في الوعي العام صورًا وروايات توجّه الرّغبات وتؤثّر على الخيارات اليوميّة. "العالم الرّقميّ ليس عالمًا موازيًا أو افتراضيًّا فقط" [145]، لأنّ ما ينشأ على شبكة الإنترنت صار الآن جزءًا من حياة النّاس، لا سيّما الشّباب.

136. لذلك، فإنّ الذين يتحكّمون في المنصّات الرّقميّة ووسائل التّواصل يمتلكون قدرة كبيرة على التّأثير في المخيّلة الجماعيّة وتقديم رؤية معيّنة للواقع على أنّها مرغوب فيها. إنّها قوّة تتطلّب أن يُنيرها باستمرار البحث عن الحقيقة واحترام كرامة الإنسان، حتّى لا تصير الثّقافة التي تنشأ على شبكة الإنترنت أداة للإلهاء المفرط وللتسوية القاضية على الخلافات وللسيطرة، بل مساحة يمكن أن تنضج فيها الحرّيّة الدّاخلية والتّفكير النّقديّ.

من أجل بيئة للتواصل

137. المهمّة الأولى التي تقع على عاتقنا هي ألّا نجعل الأدوات خبيثة من حيث المبدأ أو صنمًا يُعبَد، بل أن نديرها انطلاقًا من مبدأ ثابت: أنّ الحقيقة هي خير عام، وليست ملكيّة لمن يملكون السُّلطة أو الشُّهرة. لذلك، من الضّروريّ أن نعزّز بيئة يتمّ فيها تواصل صحيح: على صعيد القواعد العامّة، هذا يعني أن نحدّد قواعد تجعل المنطق الذي يتمّ من خلاله اختيار المحتوى ونشره أكثر شفافيّة، وتحمي البيانات الشّخصيّة. أمّا على الصّعيد الاجتماعيّ والثّقافيّ، فيعني تقوية الهيئات الوسيطة، والصّحافة الجادّة، وأماكن الحوار التي تعتمد على الحجّة والتّحقّق أكثر منها على ردّ الفعل الفوريّ. وعلى صعيد المدرسة والعائلة، نضوج وضرورة وعي تربويّ جديد والتّنشئة على الاستخدام الصّحيح والنّقديّ للأدوات الرّقميّة والذّكاء الاصطناعيّ، ومنصّات الشّراء والاستثمار. وعلى صعيد الجامعة، التّحدّي الكبير في تكامل المعارف، والتّدريب للقدرة على ربط ودمج المعارف لفهم التّعقيدات، وكذلك التّقنيّات من أجل التّحقّق من الحقائق.

138. يجب على المجتمعات المسيحيّة أيضًا أن تلتزم بالتّواصل الشّفاف والبحث النّزيه عن الحقائق. للأسف، لم يكن الأمر كذلك دائمًا. لقد شهدنا مع شعورٍ بالخجل، اكتشافًا مؤلمًا ومتعبًا لحقائق موجعة حتّى داخل أعضاء الكنيسة وفي بعض الواقع الكنسيّ. بصورة خاصّة، لعب بعض الصّحفيّين المتحمّسين للحقيقة دورًا أساسيًّا في كشف الظّلم والانتهاكات. إليهم أودّ أن أُعيد ما قاله البابا فرنسيس في حديثه إلى الصّحفيّين المتخصّصين في شؤون الفاتيكان: "أشكركم أيضًا على ما تروونه عمّا هو خاطئ في الكنيسة، وعلى مساعدتكم لنا في عدم إخفائه تحت البساط، وعلى الصّوت الذي أعطيتموه لضحايا الانتهاكات" [146]. مع ذلك، فإنّ السّهر والشّفافيّة هما قبل كلّ شيء مسؤوليّة جسيمة تقع على عاتق الكنيسة نفسها، ويجب علينا ألّا ننتظر حتّى يجبرنا الآخرون على مواجهة الحقائق المزعجة عن أنفسنا.

تحالف تربويّ للعصر الرّقميّ

139. في زمن تخضع فيه الحقيقة مرارًا للمصالح واستراتيجيّات التّواصل، يكتسب عالم التّربية أهمّيّة حاسمة. غير أنّ التّحوّلات التّكنولوجيّة السّريعة تسلّط الضّوء على مدى عدم استعدادنا على الصّعيد التّربويّ. وانتشار وسائل الإعلام الرّقميّة يولّد ثقافة الفوريّة والتّحفيز المُفرط، التي تغذّي التّعب، والمَلَل واللامبالاة إزاء الجُهد اللازم للبحث عن الحقيقة.

140. أمّا العمليّات التّربويّة، فهي بحاجة إلى وقت للنضج، وإلى مواجهة الواقع بما يتجاوز المظاهر، وإلى مسيرة صبورة. المسألة جوهريّة، لأنّ كلّ تكنولوجيا تربّي من يستخدمها. لذلك، التّربية على استخدام الذّكاء الاصطناعيّ يتضمّن التّربية على اتّخاذ القرار متَى وأين لا نستخدمه. السّرعة والسّهولة اللتان يتمّ بهما الحصول على إجابة أو ملخّص قد يُطفآن فينا الرّغبة في طرح الأسئلة، التي لا تؤتي ثمارها إلّا مع مرور الوقت. كما كتب أفلاطون، فإنّ الأمور الأعمق والأهمّ لا نتعلّمها إلّا بعد وقت طويل وجهد كبير، والتزامنا في النّقاش مع الآخرين لـِ”تفتيت“ المفاهيم والخبرات كما لو أنّها أحجارٌ ناريّة، حتّى تنطلق فينا شرارة الفهم. [147] يجب علينا أن نربّي أنفسنا على نوع من الصّوم عن الذّكاء الاصطناعيّ ونحمي شبابنا من وعد الآلة المثاليّة، ومن الإغراء النّاعم الذي يجعل التّفكير البشريّ يبدو عديم الفائدة بالتّحديد عندما يكون بأمسّ الحاجة إليه.

141. في السّنوات الأخيرة، وثّقت الدّراسات النّفسيّة والطّبيّة النّفسيّة بشكل متزايد كيف أنّ التّعرّض المبكّر وغير المراقب للأجهزة الرّقميّة وشبكات التّواصل الاجتماعيّ يمكن أن يؤثّر سلبًا على النّوم، والانتباه، والتّنظيم العاطفيّ والعلاقات، خاصّة في الأعمار الأكثر عرضة للخطر، مع عواقب قد تكون مأساويّة أحيانًا. يُضاف إلى ذلك سهولة الوصول إلى مشاهد فيها عنف وقسوة، تجرح الحساسيّة، وإلى محتويات إباحيّة وجنسيّة مفرطة، وإلى رسائل تقلّل من شأن الجسد والعاطفة، وإلى مقترحات تجعل السّلوكيّات الخطرة أمرًا عاديًّا. لا تُعدُّ ظواهر استدراج القاصرين وابتزازهم واستغلالهم جنسيًّا ظواهر نادرة على شبكة الإنترنت، التي تزداد خطورة بسبب استخدام الحسابات المزيّفة، والخوارزميّات التي تضخّم الاتّصالات الخطرة، وأدوات الذّكاء الاصطناعيّ القادرة على التّلاعب بالصّور والفيديوهات. إنّ اقتناء هاتف شخصيّ في سنّ مبكّر جدًّا واستخدامه دون رقابة من البالغين يمكن أن يُفاقم ضعف الأطفال ويشجّع على الإدمان لديهم، ممّا يعرّضهم لديناميّات العزلة، والتّنمّر، والتّنمّر الإلكترونيّ، والضّغط لمشاركة صور حميمة أو بيانات حسّاسة.

142. من الصّعب على الوالدين أن يقاوموا بمفردهم تأثير نماذج الأعمال التي تستثمر الاهتمام والوقت. لذلك، من الضّروريّ إقامة تحالف بين السّياسة والمؤسّسات التّربويّة والعائلات، قادر على تعزيز البالغين بشكل ملموس في مهمّتهم. يجب معارضة المصالح الفوريّة للمنّصات، المركَّزة في أيدي قلّة قليلة، بخيارات عامّة بعيدة النّظر، عندما تتعارض هذه المصالح مع خير القاصرين. من هذا المنظور، من المناسب اتّخاذ تدابير تشريعيّة تحدّد حدودًا عمريّة، وتُحمّل مزوّدي الخدمات المسؤوليّة، دون إلقاء عبء التّقييد على عاتق العائلة، وتوفّر حماية محدّدة ضدّ كلّ أشكال الاستغلال والعنف الجنسيّ عبر شبكة الإنترنت، بحيث تتمّ حماية الطّفولة والمراهقة حقًّا باعتبارهما خيرات ثمينة أُوكلَت رعايتهما إلينا. [148] وفي الوقت نفسه، من الضّروريّ تربية الأطفال، والفتية والشّباب، حتّى يتعلّموا أن يتعرّفوا على ما هو تلاعب، ويدافعوا عن كرامتهم ويحترموا كرامة الآخرين حتّى في البيئات الرّقميّة. [149]

أهمّيّة المدرسة

143. المدرسة هي المكان الذي يمكن للأجيال الجديدة أن تتعلّم فيه البحث عن الحقيقة وحبّها، والتّساؤل عن معنى الحياة وكرامة كلّ إنسان. لذلك، فإنّ العديد من الآباء والأمّهات، الذين يريدون أن ينشأ أبناؤهم قادرين على إقامة العلاقات، والتّفكير النّقديّ، وامتلاك قِيَم راسخة، يعلّقون عليها آمالًا كبيرة، باعتبارها حليفًا ثمينًا في تربية أبنائهم. في الواقع، يعود إلى الآباء الحقّ الأوّليّ وغير القابل للتصرّف في اختيار نوع التّعليم والتّنشئة الذي يُقدَّم لأبنائهم، بما يتماشى مع قناعاتهم الأخلاقيّة والثّقافيّة والدّينيّة. ويجد عالَم المدرسة نفسه أمام بعض التّحدّيات الملحّة التي لا يمكن تأجيلها.

144. التّحدّي الأوّل هو تحدّي اجتماعيّ سياسيّ. سواء داخل الدّول الفرديّة أو بين مختلف مناطق العالم، لا تزال هناك أنواع من التّفاوت الشّديد في الوصول إلى التّعليم الأساسيّ والتّعليم العالي. في عدد غير قليل من البلدان لم توفِّر الدّولة بعد الموارد اللازمة لضمان تربية ذات جودة للجميع، سواء عبر دعم النّظام التّعليميّ العام بشكل كافٍ أو بمساندة المؤسّسات الخاصّة التي تقدّم هذه الخدمة الأساسيّة. عندما يُعهد بجزء كبير من التّعليم، على مستويّات مختلفة، إلى مؤسّسات خاصّة، قد يحدث أن يصير الالتحاق بالمدرسة مرتبطًا بشكل مفرط بإمكانيّات العائلات الاقتصاديّة، في غياب دعمٍ عام كافٍ. أمام هذا الخطر، يجب مع ذلك أن نعترف ونسند مساهمة العديد من المؤسّسات التّربويّة الكاثوليكيّة. فبالرّغم من كونها مؤسّسات خاصّة، فهي تؤمّن استقبالًا شاملًا للأطفال والشّباب من مختلف الخلفيّات، حتّى عندما لا تسمح ظروف العائلات الاقتصاديّة بذلك.

145. التّحدّي الثّاني الكبير هو تحدٍّ تربويّ. تجد العديد من الأنظمة التّعليميّة صعوبة في مواكبة وتيرة التّغييرات وتعزيز النّمو الشّامل للطلاب. مع تطوّر تكنولوجيّات المعلومات والذّكاء الاصطناعيّ تصير المناهج الدّراسيّة المصمّمة لعصر آخر غير ملائمة بسرعة، في حين أنّ تنظيم المدرسة، والمساحات، وأساليب التّقييم وشخصيّة المعلّم نفسها تتطلّب إعادة التّفكير فيها من أجل تربية شاملة حقًّا، ومفتوحة على جميع أبعاد الإنسان. من الضّروريّ تعزيز تنشئة المعلّمين المستمرّة طوال حياتهم المهنيّة، حتّى يعرفوا أن يتحاوروا بشكل إيجابيّ مع التّكنولوجيّات الجديدة، ويساعدوا الطّلاب على استخدامها بشكل مسؤول، ونقديّ وإبداعيّ، وألّا يتعرّضوا لتأثيرها بشكل سلبيّ.

146. التّحدّي الثّالث الكبير هو تحدٍّ فكريّ ومعرفيّ. إن لم نكن متنبِّهين، فمن الممكن أن يتشكّل نظام تربويّ يفتقر إلى حبّ الحقيقة، حيث يحلّ التّدفّق المتواصل للمعلومات محلّ ممارسة البحث والتّأمّل والتّمييز. تتكاثر المعارف المجزّأة، فيصير أصعب علينا أن ندرك الواقع في مجمله، وأن نطرح أسئلة لها معنى، وأن نطوّر تفكيرًا نقديًّا وإبداعيًّا حقيقيًّا. يلاحظ العديد من المربّين علامات تدلّ على نزعة محتملة نحو تجريد الإنسان من إنسانيّة، حيث يعرف النّاس ”أمورًا كثيرة“ لكنّهم يجدون صعوبة في توجيه حياتهم، وذلك أيضًا بسبب عدم القدرة على ربط المعلومات والمعارف، والعجز أمام فقدان أفاق المعرفة. يجب علينا أن نعزّز تنبّهًا سليمًا حقيقيًّا: إيقاعات تنطوي على الصّمت، ودراسة معمّقة، وقراءة، ومقارنة متأنّية. من دون هذه العناصر، يمكن أن تتعرّض الحرّيّة الدّاخليّة للخطر.

147. تعليم الكنيسة الاجتماعيّ يدعو العائلات، والمدارس، والجماعات المسيحيّة والمؤسّسات العامّة إلى تحالف تربويّ متجدّد. هذا التّحالف يصير ملموسًا عندما تُترجم المبادئ الأساسيّة إلى أهداف تربويّة: التّربية على الاعتدال وإدراك الحدود، والتّربية على الاعتراف بحقّ الآخر ومن سيأتي بعدنا في التّمتّع بالخيرات التي أعطيت لنا، أو التي يتيحها إبداع الإنسان، والتّربية على الحرّيّة والمسؤوليّة، والتّربية على الشّعور بالتّسامي فوق ما هو أرضيّ وعلى الخير العام. ليست المدرسة مدعوّة إلى أن تواكب سرعة العالَم الرّقميّ، بل إلى أن تقدّم ما لا يستطيع العالَم الرّقميّ وحده أن يقدّمه: وهو وقت مشترك للتعلّم وإقامة علاقات موثوقة.

كرامة العمل في التّحوّل الرّقميّ

قيمة العمل

148. منذ نشأة التّعليم الاجتماعيّ، مع الرّسالة البابويّة العامّة ”الشّؤون الجديدة-Rerum novarum“، لفتت الكنيسة الانتباه إلى حماية العمّال وضرورة مكافحة كلّ أشكال الاستغلال. وقبل كلّ شيء، اعترفت سُلطة الكنيسة التّعليميّة أنّ العمل هو "المفتاح الأساسيّ" [150] لفهم المسألة الاجتماعيّة كلّها، لأنّ الإنسان يطوّر من خلاله أبعادًا عديدة من حياته. من هذا المنظور، يمكننا أن نفهم أيضًا رؤية القدّيس بندكتس مِن نورسيا الذي جمع بين الصّلاة والعمل، وأشار إلى أنّ العمل اليوميّ هو جزء من جواب الإنسان على دعوة الله. بما أنّنا خُلقنا على صورة الخالق، فإنّنا بالعمل نواصل عمله بطريقة ما: نساهم في تقدّم المجتمع وبناء الخير العام، ونستثمر القدرات التي نلناها، ونُحسّن العالم ونُجمّله، ونُعزّز عائلاتنا، وندخل في علاقات تعاون، ونتعلّم أن نبني معًا، بالإصغاء والحوار، أشياءً لا يمكن لأحد أن يحقّقها بمفرده.

149. لهذه الأسباب، فإنّ العمل ليس مجرّد أداة، بل يعبّر عن كرامة حياتنا وينمّيها. إنّه حاجة متأصّلة في الطّبيعة البشريّة، ومسيرة عاديّة نحو النّضوج والتّطوّر وتحقيق الذّات. من هذا المنظور، مساعدة الفقراء اقتصاديًّا تبقى ضروريّة أحيانًا في الحالات الطّارئة، لكنّها لا يمكن أن تصير الحلّ الوحيد، لأنّ الهدف هو تمكين كلّ فرد من أن يعيش بكرامة من خلال عمله. [151]

150. اليوم، يؤدّي التّداخل بين قوّة الآلة والرّوبوتات والذّكاء الاصطناعيّ إلى تغيير سريع في بنية العمل نفسها. ويُقال إنّ هذا الأمر سيؤدّي إلى تحسينات كبيرة للجميع. في الواقع، إنّ ”الأشكال الجديدة“ للعمل ليست بالضّرورة أفضل، لأنّ "الذّكاء الاصطناعيّ، بينما يعد بزيادة الإنتاج فيقوم بالمهام العاديّة، يجد العمّال أنفسهم مرارًا مجبرين على التّكيّف مع سرعة الآلات ومتطلّباتها، بدل أن تكون هذه الآلات مصمّمة لمساعدة الذين يعملون. لهذا، خلافًا للفوائد المعلنة للذكاء الاصطناعيّ، يمكن للمقاربات الحاليّة للتكنولوجيا، بشكلٍ متناقض، أن تجرّد العمّال من تخصّصهم، وأن تخضعهم لمراقبةٍ آليّة، وأن تحصرهم في أعمال جامدة ومتكرّرة. وضرورة مجاراة وتيرة التّكنولوجيا يمكن أن تُضعف شعور العمّال بقدرتهم على العمل، فتخنق فيهم القدرات الإبداعيّة التي هم مدعوّون إلى الإسهام بها في عملهم" [152]. ولتجنّب هذا الانحراف، من الضّروريّ تصميم أنظمة تركّز على الإنسان وليس فقط على الأداء والإنتاج.

مشكلة البطالة

151. ذكّر القدّيس البابا يوحنّا بولس الثّاني بأنّ البطالة شرّ خطير، ويمكن أن تصير، خاصّة عندما تتّخذ أبعادًا كبيرة، كارثة اجتماعيّة حقيقيّة، تستدعي بشكل خاصّ مسؤوليّة الدّولة. [153] اليوم، في ”الثّورة الصّناعيّة الرّابعة“، تزداد هذه المخاوف حدّة، لأنّ التّجديد يكون مقبولًا غالبًا وفقط من منطلق خفض التّكاليف وزيادة الأرباح. [154] في بعض السّياقات، من الواقعيّ الخوف من انكماش كبير وسريع في الوظائف المتاحة، مع تأثير متسلسل يؤثّر تأثيرًا عميقًا على العائلات والشّباب وأنواع الاقتصاد المحلّيّ. في قطاعات كثيرة، يُتَرجَم هذا الأمر بالفعل إلى أشكال جديدة من عدم الاستقرار وعدم المساواة، مع مكافأة مرتفعة جدًّا لأقلّيّة متخصّصة إلى حدّ كبير وأجور متناقصة باستمرار لجزء كبير من السّكان النّشطين.

152. من المُستحسن بالتّأكيد أن تخفّف التّكنولوجيا الأعباء عن النّاس، لا سيّما الأعمال الشّاقة أو المتكرّرة أو الخطرة بشكل خاصّ، وأن تقدّم دعمًا ذكيًّا للنّشاط البشريّ، لكن يجب أن تبقى القاعدة العامّة هي حماية مفهوم العمل ودور الإنسان الذي لا غِنَى عنه. لا يمكن تبرير خيارات تضحّي بالعمالة بشكل منهجيّ، من أجل تحقيق زيادة في الرّبح. لأنّ الإنسان غاية وليس وسيلة، ويجب أن يبقى النّظام الاقتصاديّ خاضعًا لكرامته وللخير العام.

153. في الوقت نفسه، يجب علينا أن نعترف بأنّ كلّ انتقال حقيقيّ يسير على نحو متقطّع: فهو غير متكافئ، ومجزّأ، وأحيانًا يتّسم بالصّراع. لذلك، لا يوجد نموذج واحد للتغيير، ولا حلّ شامل: هناك مناطق وتاريخ تقتضي استجابات مختلفة. ونظرًا لعدم المساواة التي تميّز عالمنا، فإنّ انتشار الذّكاء الاصطناعيّ والأنظمة الحاسوبيّة ينتج عنه آثار مختلفة في أماكن متنوّعة. فالمجتمعات الغنيّة تنتشر فيها طاقة الآلة بسرعة وبشكل فوضويّ، ما يقلّل من الحاجة إلى اليد العاملة، ويؤدّي إلى ظهور بؤر بطالة وتوتّرات مؤسّسيّة. في المقابل، تبقى مناطق شاسعة من العالم عالقة في أنواع من الاقتصاد الهجين، حيث يتعايش العمل البشريّ مُنخفض الأجور والتّقنيّات الجزئيّة دون أن يحدث تحوُّل حقيقيّ في الاقتصاد. هذه المناطق تصير مستودعات للعمالة غير المستقرّة وبؤرًا للاضطرابات والهجرة القسريّة. لذلك، يجب أن تكون الحلول على المستوَيَين الوطنيّ والمحلّيّ، ويجب أن تشارك فيها الجماعات الوسيطة. نحن بحاجة إلى أدوات قادرة على التّكيّف: أي نماذج مكمَّلة واضحة، وخبرات محلّيّة، وإعادة توزيع العمل بصورة تدريجيّة، وحقوق جديدة للوصول إلى الخيرات الأساسيّة. ومن دون أن نسعى إلى انسجام نظريّ، يجب أن نبني أشكالًا عمليّة للعيش معًا وإنسانيّة في واقع التّحوّل.

154. يبقى العمل بعدًا أساسيًّا من أبعاد الخبرة الإنسانيّة: فهو ليس مجرّد وسيلة للعَيش، بل هو مكان للتعبير، ولإقامة العلاقات، وللمساهمة في الجماعة. لذلك، فإنّ المشاكل المرتبطة بالعمل ليست فقط مشاكل دَخل ضروريّ لبقاء العائلات. فالمجتمع الذي يضمن العمل لجزء صغير فقط من السّكان، يعرّض الكثيرين إلى حالة من البطالة القسريّة، وغياب المسؤوليّة، وانعدام الالتزامات والحوافز اليوميّة، ما يؤدّي إلى إفقار إنسانيّ وثقافيّ يتناقض مع المستوى العالي من التّطوّر التّقنيّ. سنجد أنفسنا أمام مفارقة بين التّقدّم المادّيّ والتّراجع الأنثروبولوجيّ، حيث تتلاشى الشّروط اللازمة لسلام اجتماعيّ عادل ومستقرّ. لذلك، يصرّ تعليم الكنيسة الاجتماعيّ على أنّ الوصول إلى العمل للجميع يجب أن يبقى هدفًا له أولويّة في السّياسات العامّة والعمليّات الاقتصاديّة، ومعيارًا لتقييم الجودة الإنسانيّة لنموذج التّنمية. [155] ثمّ، في الأجزاء من العالم التي يميل فيها العمل إلى التّقلّص أو التّغيّر الجذريّ، نتيجة لعمليّات تكنولوجيّة وتنظيميّة تفلت من الرّقابة الدّيمقراطيّة، من الضّروريّ إعادة التّفكير في العمل نفسه وعلاقته بالمواطنة، حتّى لا تؤدّي البطالة إلى تقويض المشاركة الاجتماعيّة.

155. في ضوء هذه القناعة، يمكننا أن نفهم بطريقة جديدة أيضًا تاريخ تعليم الكنيسة الاجتماعيّ بعد الرّسالة البابويّة العامّة ”الشّؤون الجديدة-Rerum novarum“. فقد ساهمت المبادرات التي نشأت في هذا السّياق، مثل الجمعيّات والنّقابات العمّاليّة والتّعاونيّات وأعمال الإغاثة، مساهمة حاسمة في تحسين تشريعات العمل، وحماية الأشدّ ضعفًا، وتعزيز ظروف أكثر إنسانيّة. [156] اليوم، مع ذلك، لم تعد هذه الأدوات كافية بمفردها أمام التّحوّلات التي أحدثها الذّكاء الاصطناعيّ والتّنظيم الجديد للأسواق والتّنافسيّة التي نادرًا ما تهتمّ بالاستدامة الاجتماعيّة. نحن بحاجة إلى جهد جديد منسّق من جانب المسؤولين السّياسيّين، ومنظّمات العمّال، وعالم المشاريع التّجاريّة والمجتمع العلميّ لوضع قواعد وحماية مناسبة ومشتركة بسرعة، حتّى على المستوى الدّوليّ. [157] المنظّمات النّقابيّة، التي لطالما دعمتها الكنيسة، مدعوّة إلى الانفتاح على أشكال العمل الجديدة وعلى العمّال الجدد، لتمثيلهم والدّفاع عنهم في ظلّ سيناريو يلوح فيه، في غياب خيارات جريئة، خطر تفاقم الفقر وعدم المساواة، مع وجود حشد من المهمّشين محاطين بالآلات والأنظمة الآليّة التي حلّت محلّهم.

156. في هذه المرحلة الانتقاليّة، لا يكفي أن نُبدي ردّة فعل عندما تختفي أماكن عملنا، بل يجب أن ندير التّحوّل مسبقًا. يتمثّل أحد الطّرق العمليّة، أوّلًا، في وضع معايير اجتماعيّة للابتكار: كلّ إدخال للطّاقة الآليّة والذّكاء الاصطناعيّ يجب أن يرافقه خيارات قابلة للتحقّق لحماية العمالة وإعادة التّأهيل ومشاركة العمّال، حتّى تكون التّكنولوجيا موجّهة لتحرير الوقت والقدرات البشريّة، لا لإنتاج الإقصاء. ثانيًا، من الضّروريّ أن تجعل السّياسات الفعّالة التّنشئة المستمرّة والتّقدّم المهنيّ في متناول الجميع، دون تحميل الأفراد كامل تكلفة التّكيّف مع التّحوّلات. أخيرًا، نحن بحاجة إلى مسؤوليّة مؤسّسيّة تضمّ جودة العمل وكرامته ضمن مؤشّرات النّجاح. وعندما تتوفّر هذه الشّروط، يمكن أن يصير الابتكار حليفًا لعمل أكثر أمانًا وإبداعًا وكرامة، وعندما تغيب هذه الشّروط، فإنّه يميل إلى التّحوّل إلى عامِل يسرِّع من وتيرة الظّلم.

اقتصاد يقدّر الكرامة

157. سوق العمل هو أحد المجالات التي تظهر فيها مخاطر التّكنولوجيّات الجديدة بشكل أوضح. لذلك، من الضّروريّ التّذكير بأنّ الحرّيّة الاقتصاديّة ليست مطلقة، ويجب قياسها دائمًا على أساس الخير العام وكرامة كلّ إنسان. مبادرة المشاريع التّجاريّة يمكن أن تكون دعوة حقيقيّة، قادرة على إنتاج الثّروة وتحسين حياة الجميع، بشرط أن تعترف بخلق عمل كريم له قيمته وهو جزء أساسيّ من خدمتها للمجتمع، ولا تكون عاملًا متغيّرًا غايته الرّبح فقط. [158]

158. بروح نبويّة، حذّر البابا فرنسيس من الحرّيّة الاقتصاديّة التي تُعلَن بالكلام فقط، في حين أنّ الظّروف الواقعيّة تمنع الكثيرين من الاستفادة منها حقًّا. [159] تميل النّماذج الاقتصاديّة التي ترفع من شأن الكفاءة والقدرة على الإنتاج والنّجاح الفرديّ، إلى اعتبار الاستثمار في الأشخاص الذين ينطلقون من أوضاع غير مواتية أو الذين يسيرون بخطى أبطأ في مسار نموّهم، أمرًا عديم الفائدة أو غير مجدٍ اقتصاديًّا، وكأنّ مصيرهم يجب أن يعتمد حصريًّا على قدرتهم على مواكبة الفائزين. في الواقع، يتطلّب المجتمع العادل دولة حاضرة ومؤسّسات مدنيّة قادرة على تجاوز منطق الكفاءة والإنتاج وحده، وتوجيه الموارد والإبداع والقواعد بشكل صريح لصالح الفئات الأكثر ضعفًا. [160] وبدل أن ننتظر فوائد النّموّ الذي سيعود ”في النّهاية“ على الفقراء أيضًا، نحن بحاجة إلى خيارات تجعل النّموّ شاملًا للجميع منذ البداية. بَيَّنَت خبرات العقود الأخيرة أنّ الفقراء هم الذين يدفعون دائمًا الثّمن الأغلى، في الأزمات الاقتصاديّة والماليّة، في حين أنّ النّظريّات التي تَعِدُ برفاهيّة عامّة بصورة آليّة تظهر مرارًا أنّها وهميّة.

159. من الضّروريّ تجاوز المعايير الحاليّة لقياس درجة التّنمية، التي بقيت مدّة أكثر من ثمانين سنة مرتبطة بمفهوم النّاتج المحلّيّ الإجماليّ، وتتجاهل بشكل شبه منهجيّ جوانب أساسيّة للرفاهيّة العامّة، النّاس والبيئة. في الوقت نفسه، إنّها تُبَيِّن الأنشطة التي تؤثّر على حياة كوكبنا على المدى القريب أو البعيد. إنّ ضبط معايير ومقاييس مكمّلة للنّاتج المحلّيّ الإجماليّ أمر حاسم لتحسين البيانات الأساسيّة المستخدمة لإجراء التّحليلات، واتّخاذ القرارات السّياسيّة والاقتصاديّة واختيار الأولويّات الإقليميّة والوطنيّة والدّوليّة. وسيسمح إدخال معايير جديدة للتقييم بنظرة رحبة ومناسبة للعصر، بمعرفة الآثار المترتّبة على القرارات التّشريعيّة والتّنظيميّة على كرامة العمل، والازدهار المشترك، والحدّ من عدم المساواة، وحماية البيئة. وسيؤثّر ذلك على مفهوم التّنمية نفسه، وعلى عمليّات التّنشئة، وعلى العقليّة والرّأي العام. وكذلك على السّلام، الذي لن يكون حقيقيًّا إلّا إذا كان قائمًا على العدل.

160. اكتسبت الماليّة في السّنوات الأخيرة أهمّيّة متزايدة وشهدت ابتكارات كثيرة، لا سيّما بعد ظهور العملات المشفّرة. وقد أظهرت التّأمّلات والتّوجيهات الواردة في تعليم أسلافي، لا سيّما في الرّسائل البابويّة العامّة، كيف أنّ عمل الوساطة الماليّة عندما انفصل عن الأسس الإنسانيّة والأخلاقيّة الملائمة، لم يؤدِّ فقط إلى حالات انتهاك وظلم واضحَة، بل تَبَيَّن أيضًا أنّه قادر على إحداث أزمات في الأنظمة وعلى نطاق عالميّ. [161] وصحيح أيضًا أنّ عائد رأس المال يهدّد بأن يحلّ محلّ دخل العمل، الذي يُوضع مرارًا على هامش الاهتمامات الرّئيسيّة في النّظام الاقتصاديّ. ومع ذلك، فإنّ المدّخرات التي يتمّ تحويلها إلى ائتمان للاقتصاد الحقيقيّ، وبالتّالي لخلق فرص عمل سواء كانت وظيفة أو مستقلّة، تبقى أساسيّة للتنمية وللاستثمارات التي يجب أن ترافق التّحولات الجارية. يبقى عمل الائتمان الاجتماعيّ غير قابل للاستبدال. فالمعاملة الماليّة من أجل المعاملة الماليّة تختلف تمامًا عن المعاملة الماليّة من أجل التّنمية وخلق العمل وتطوّره.

161. يجب إدراج هذا المنظور في نظرة أوسع على الدّيناميّات العالميّة. نَمَت الثّروة العالميّة من حيث القيمة المطلقة، لكنّها تركّزت بشكل متزايد في أيدي قلّة قليلة، واتّسعت الفوارق، سواء بين البلدان أو داخل البلد الواحد: "قليلون يملكون الكثير، وكثيرون يملكون القليل، هذا هو منطق اليوم" [162]. التّقدّم العلميّ والتّكنولوجيّ، حتّى في المجال الطّبيّ، ليس في متناول الغالبيّة العظمى من السّكان، كما رأينا بشكل مأساويّ خلال الجائحة الأخيرة. فبينما تُستثمر في بعض المناطق أموال في تدخّلات غير ضروريّة أو في أحلام لتعزيز القدرات الفرديّة التي لا يستطيع سوى قلّة قليلة تحمّل تكاليفها، لا تزال أجزاء أخرى من العالم تفتقر إلى المعدّات الأساسيّة لإنقاذ ملايين الأرواح البشريّة. أن نفكّر في أنّ التّقنيّات الجديدة ستعود بالفائدة بصورة آليّة على الجميع، يعني تجاهل حقيقة واضحة: إن لم نقم بإدارة التّحوّلات ولم نضع لها هدفًا أوّليًّا، منذ مرحلة التّخطيط، فيمنع المزيد من أنواع التّفاوت الجديدة، فإنّ التّقدّم التّكنولوجيّ سينتج تلقائيًّا أنواع تفاوت هيكليّة. والعدل اليوم يقتضي الوصول إلى فوائد الابتكار: من حيث العلاج، والمعرفة، والأدوات، والفرص.

162. من الضّروريّ بالتّأكيد وجود قوانين عادلة وأدوات لإعادة التّوزيع تصحّح الاختلالات، بما في ذلك من خلال أنظمة ضريبيّة تخفّف العبء عن الأضعف وتطلب المزيد ممّن يمتلكون موارد أكبر. ولكن يجب ألّا نعتبر السّعي إلى العدالة الاجتماعيّة موضوعًا منفصلًا ويأتي بعد إنتاج الثّروة، كما لو أنّ الاقتصاد يجب أن يخلق القيمة فحسب، وأنّ السّياسة لا تتدخّل إلّا بعد ذلك لتوزيعها. بل بالعكس، العدالة مطلوبة في جميع مراحل النّشاط الاقتصاديّ، من توفير الموارد إلى التّمويل، ومن الإنتاج إلى الاستهلاك. كلّ خيار له عواقب أخلاقيّة. [163]

163. وبحجّة أولى، في زمن الذّكاء الاصطناعيّ والرّوبوتات، لم يعُدْ بإمكاننا أن نثق فقط بـ”اليد الخفيّة“ في السّوق: [164] فعلى السّياسة أن توجّه الدّيناميّات الاقتصاديّة والتّكنولوجيّة نحو الخير العام، وتعزّز كرامة العمل، والاندماج الاجتماعيّ، والتّوزيع العادل لفوائد الابتكار. وبما أنّ العديد من القرارات الاقتصاديّة تتجاوز حدود الدّول، فمن الضّروريّ أيضًا أن يكون هناك تعاون دوليّ قادر على تحديد استراتيجيّات مشتركة، وخاصّة من أجل البلدان والمجموعات الأكثر ضعفًا، من أجل تعزيز التّنمية وتجاوز الاعتماد على المساعدات. المنطق الذي يُلهم هذه الخيارات هو الكرامة الكبيرة لكلّ إنسان، والخير العام، وعالَم مصمّم حقًّا للجميع. التّرابط بين السّلام والتّنمية، كما كتب القدّيس البابا بولس السّادس بشكل نبويّ سنة 1967، [165] يمكن تحديثه اليوم: لا يمكن للازدهار أن يساهم في بناء السّلام وتعزيزه إلّا إذا كان واسع الانتشار وشاملًا ومستدامًا.

164. عمليًّا، إخضاع الاقتصاد لكرامة الإنسان يعني تبنّي بعض معايير العمل الثّابتة حتّى في عصر الذّكاء الاصطناعيّ. ومنها أوّلًا، الشّفافيّة والمسؤوليّة: عندما تؤثّر البيانات والخوارزميّات على منح الائتمان، وعلى اختيار الموظّفين، والوصول إلى الخدمات أو الفرص، من الضّروريّ أن تكون القرارات مفهومة وقابلة للطّعن وخاضعة للرّقابة، حتّى لا يُحصر الإنسان في مجرّد ملفّ تعريفيّ. ثانيًا، الإدماج والوصول: يجب أن تُرافق فوائد الابتكار استثمارات في المهارات، والبنى التّحتيّة والخدمات الأساسيّة، حتّى لا توسّع التّكنولوجيا الفجوة بين مَن يملك ومَن لا يملك. أخيرًا، تدابير الإنصاف: يجب أن تعمل الضّرائب، والحماية الاجتماعيّة والسّياسات الصّناعيّة على تصحيح الاختلالات النّاتجة عن تجمُّع الثَّروة والسُّلطة. هذه المعايير ليست عائقًا أمام الابتكار. بل إنّها في الواقع تجعله قابلًا للتطبيق وإنسانيًّا.

العائلة والشّباب: الظّروف الاجتماعيّة للرّجاء

165. العائلة هي خير اجتماعيّ أساسيّ. وبما أنّها تقوم على الاتّحاد الثّابت بين رجل وامرأة، فإنّها البيئة الأولى التي ينمّي فيها كلّ فرد إمكاناته، ويدرك كرامته، ويتعلّم فيها أوّل أشكال الحقيقة والصّلاح، ويستوعب العادات التي تهيّئه للحياة الاجتماعيّة. [166] العائلة، بكونها أوّل مجتمع طبيعيّ، ولها حقوق خاصّة وأصيلة، هي الخليّة الأساسيّة التي لا غِنَى عنها لكلّ تنظيم اجتماعيّ. [167] وبالتّالي، عندما تُهمّش وتُقصي المشاريع السّياسيّة والقرارات الاقتصاديّة الكبرى دَورها أو تجعله ثانويًّا، فهذا يعني إلحاق ضرَر جسيم بالنّموّ الحقيقيّ لكلّ الجسم الاجتماعيّ. [168]

166. مع ذلك، العائلة هي خير اجتماعيّ ضعيف، وتتأثّر بشكل مباشر بالتّحوّلات الاقتصاديّة والتّكنولوجيّة التي تغيّر طبيعة العمل، وتتطلّب تعزيزًا ثقافيًّا وقانونيًّا واقتصاديًّا. التّأثير المدمّر للبطالة وعدم الاستقرار على النّسيج العائليّ معروف. قد يبدو من المفيد على المدى القصير خفض تكلفة العمل أو تضخيم الكفاءة الماليّة، لكن ذلك يقوّض على المدى الطّويل أُسُس العيش معًا: فبينما نحتفل بالنّجاحات التّكنولوجيّة، تتآكل البُنية الاجتماعيّة تدريجيًّا كما لو كانت مصابة بفيروس صامت.

167. بالنّسبة للشّباب، إنّ عدم استقرار العمل هو لهم مأساة بصورة خاصّة. وكما يذكّر أساقفة الولايات المتّحدة، فإنّ العمل ليس مجرّد مصدر دَخل، بل هو مجال حاسم تتكوَّن فيه الهويّة، وتتشابك فيه الصّداقات والعلاقات، وتُكتسب فيه المسؤوليّات العمليّة، ويتمّ فيه تمييز ومعرفة الدّعوة الشّخصيّة. [169] عندما يُعرقل الوصول إلى العمل معدّلاتُ البطالة المرتفعة، أو أنظمة التّعليم غير الملائمة، أو الحواجز الهيكليّة، يرى العديد من الشّباب أنّ مسارهم نحو تحقيق الذّات والنّجاح المهنيّ قد توقّف. ضرورة تغيير المهنة عدّة مرّات خلال الحياة تتطلّب مسارات للتحديث وإعادة التّأهيل المستمرّ، التي تجعل الأجيال الجديدة قادرة على أن تتحمّل المخاطر المتعلّقة بسياقٍ اقتصاديٍّ متغيّر وغالبًا غير متوقّع، بكفاءة واستقلاليّة. [170]

168. من هنا تنشأ مسؤوليّة عامّة محدّدة. فالدّولة عليها واجب تعزيز نشاط المشاريع التّجاريّة بتهيئة ظروف مواتية للتوظيف، وتشجيع العمل حيثما ينقص، والدّفاع عنه في أوقات الأزمات، لأنّ العمل هو خير أساسيّ للعائلات والمجتمع. [171] وبصورة خاصّة، في زمن التّحوّلات التّكنولوجيّة العميقة، نحن بحاجة إلى إبداع سياسيّ يصبّ في خدمة العمل، ويضع العائلة والأجيال الجديدة في المقام الأوّل، إذا كنّا لا نريد أن يترجم التّقدّم الاقتصاديّ إلى أشكال جديدة من انعدام الأمن والاستبعاد.

169. تعزيز العائلات والشّباب في هذه المرحلة الانتقاليّة يتطلّب خيارات تجعل الاستقرار أمرًا ممكنًا. وكما قُلت مسبقًا، نحن بحاجة إلى سياسات عمل تشجّع على استمراريّة العمل وجودته، وتكافح عدم الاستقرار حتّى لا يكون حالة طبيعيّة في الحياة، وتشجّع على مسارات واقعيّة للدخول في العمل والنّموّ المهنيّ. ثانيًا، من الضّروريّ أن نتّخذ تدابير تضمن إيقاعًا إنسانيًّا للحياة: فبدون توازن بين العمل والخدمات والرّاحة، تَضعُف العائلة ويَصعُب على الشّباب أن ينضجوا في تحمّل المسؤوليّات. علاوة على ذلك، من الضّروريّ الاستثمار في التّنشئة وإعادة التّأهيل المتاحَين للجميع، حتّى لا تصير الحركة المهنيّة التي يتطلّبها الاقتصاد الرّقميّ انتقاءً قاسيًا بين مَن يستطيعون أن يحدّثوا معرفتهم ومَن لا يستطيعون. أخيرًا، يجب تعزيز الرّوابط الاجتماعيّة: شبكات العلاقات بين النّاس والجماعات التّربويّة التي ترافق خيارات الحياة وتمنع أن تؤدّي حالة عدم اليقين إلى الشّعور بالوِحدة أو الإدمان. هكذا يمكن أن نجتاز مرحلة التّحوّل التّكنولوجيّ دون أن نُضعِف قدرة المجتمع على الولادة: أي القدرة على بناء المستقبل.

حماية الحرّيّة من الإدمان ومن أن تصير سلعة وموضوع تجارة

الإدمان والرّقابة الاجتماعيّة

170. بعد أن تناولنا الحقيقة والتّربية والعمل والعائلة، يجب علينا أن نتكلّم على تأثير الثّورة الرّقميّة على الحرّيّة الإنسانيّة، ونأخذ بعين الاعتبار كيف نواجه كلًّا من المخاطر المرتبطة بالنّفسيّة الفرديّة والمآسي الاجتماعيّة الكبيرة. يجب ألّا نستهين بأشكال الإدمان وبأكثرها دقّة المرتبطة بالاقتصاد الرّقميّ المبنيّ على مجال الانتباه، حيث تُصمّم المنصّات والخدمات للاستحواذ على وقت المستخدمين وأنظارهم، مستغلّةً ضعفهم ومضعفةً حرّيّتهم الدّاخليّة. عندما تزدهر نماذج الأعمال وتُبنى على ضعف الإنسان، يُعامَل الشّخص على أنّه وسيلة وليس غاية، ويتحمّل مَن يصمّم أو يموّل هذه الأنظمة مسؤوليّة أخلاقيّة لا يمكن التّهرّب منها. من الضّروريّ بشكلٍ عاجل تشجيع استخدام التّكنولوجيّات التي تقوّي وتعزّز الحرّيّة الدّاخليّة: أي التّربية على الاعتدال الرّقميّ، وحماية القاصرين، ومكافحة النّماذج التي تزدهر على ضعف الإنسان.

171. هناك خطر آخر، أقلّ وضوحًا ولكنّه لا يقلّ خطورة، وهو خطر الرّقابة الاجتماعيّة التي صارت ممكنة بفضل جمع البيانات على نطاق واسع واستخدام الأنظمة الخوارزميّة. كلّ حركة تترك أثرًا وراءها، التّنقّلات، والمشتريات، والعلاقات، والأمور المفضّلة، فتنشأ قوّة جديدة: قوّة تحديد ملامح الشّخصيّة، والتّنبّؤ بها وبسلوكيّاتها، والقدرة على توجيهها، دون أن يُدرك النّاس مرارًا ذلك. وإذا استُخدمت هذه البيانات لاتّخاذ قرارات تؤثّر على حالات عمليّة (الوصول إلى الائتمان، واختيار الموظفين، والخدمات)، فإنّ ذلك ينطوي على خطر المساس بالحرّيّة وخطر التّمييز ضدّ الفئات المستضعفة. علاوة على ذلك، فإنّ الرّقابة لا تتجاوز فقط الأمور الممنوعة بصراحة، بل تتدخّل في هندسة الأمور المرئيّة: فهناك أمور يتمّ تضخيمها أو غيرها يتمّ إخفاؤها، وأمور تتمّ مكافأتها وغيرها تتمّ معاقبتها، وينتهي الأمر بالقدرة على تكوين الآراء والخيارات، ما يولّد المساواة المطلقة والرّقابة الذّاتيّة. لذلك، فإنّ الحرّيّة، في العصر الرّقميّ، ليست مجرّد حقيقة داخليّة: إنّها أيضًا مسألة عامّة، تتطلّب قواعد واضحة، وشفافيّة، وإمكانيّة الطّعن، وحدودًا متناسبة لاستخدام التّقنيّات المتطفّلة، حتّى تبقى التّقنيّة في خدمة الإنسان ولا تصير شكلًا من أشكال السّيطرة على الضّمائر.

172. في أصل هذه المشاكل توجد عقليّة تكنوقراطيّة تتجاوز الطّابع الإنسانيّ، تميل إلى اعتبار الإنسان موضوعًا قابلًا للتلاعب به أو موردًا يجب تحسينه، [172] مع إقصاء كلّ ما يضع حدودًا على تضخيم الرّبح: ما يهمّ هو الكفاءة والإنتاج، وليس احترام الحرّيّة والكرامة الإنسانيّة. بل إنّ بعض التّيّارات التي تتجاوز الطّابع الإنسانيّ تصل إلى حدّ افتراض وجود بشر ”من الدّرجة الثّانية“، يخدمون مصالح النّخبة التي تعتبر نفسها متفوّقة: وهو منظور مقلق، يزداد خطورة إذا ما اقترن بأدوات تكنولوجيّة توسّع بشكل هائل من سُلطة التّحكّم والانتقاء. كما أنّ بعض منطقيّات المديونيّة الهيكليّة، التي تُبقي شعوبًا بأكملها في حالة من التّبعيّة، تكشف عن العقليّة نفسها التي تقبل، بأشكال جديدة، علاقات التّبعيّة القريبة من العبوديّة.

كسر قيود العبوديّة الجديدة

173. هذه الرّؤية المشوّهة للإنسان تتجسّد اليوم في أشكال مختلفة من الاستعباد المرتبطة ارتباطًا مباشرًا بالاقتصاد الرّقميّ. لا يوجد شيء، في عالم الذّكاء الاصطناعيّ، غير مادّيّ أو سحريّ. كلّ جواب يبدو فوريًّا ومثاليًّا ينبع من سلسلة طويلة من الوساطات، وشبكة واسعة من الموارد الطّبيعيّة، والبنى التّحتيّة للطّاقة، وقبل كلّ شيء، من البشر. يعتمد جزء كبير من عمل الاقتصاد الرّقميّ على العمل الصّامت لملايين البشر، الذين يعملون في أنشطة غير مرئيّة ولكنّها أساسيّة: مثل تصنيف البيانات، ومراقبة المحتوى، الذي يكون مرارًا سيّئًا جدًّا، وتدريب النّماذج. في كثير من الحالات، هم من الشّباب، وغالبيّتهم من النّساء، اللواتي يعمَلنَ بجدّ مقابل أجر ضئيل. يُضاف إلى هذا الجهد غير المرئيّ جهد أكثر قسوة يتمثّل في استخراج الموارد اللازمة لإنتاج الأجهزة والرّقائق التي يعتمد عليها الذّكاء الاصطناعيّ. في بعض مناطق من العالم، يعمل المراهقون والأطفال في ظروف خطرة في تكسير المواد التي تُستخرج منها المعادن النّادرة. أجساد مجروحة، ومشوّهة، ومنهكة حتّى لا يتوقّف تدفّق الحوسبة. علاوة على ذلك، تَستخدم الشّبكات الإجراميّة المنصّات الإلكترونيّة وأنظمة المراسلة والمدفوعات المجهولة وتقنيّات تحديد الملامح لتجنيد ضحايا الاتجار بالبشر والتّحكّم بهم ونقلهم، وهم غالبًا من القاصرين، محوّلةً الرّجال والنّساء إلى ”بيانات“ يجب تتبّعها و”طرود“ يجب نقلها ضمن الدّوائر الرّقميّة نفسها التي تدعم جزءًا كبيرًا من الاقتصاد العالميّ. هذه الحقيقة تثير تساؤلات عميقة في الضّمير الأخلاقيّ لعصرنا. لا يكفي التّذرّع بالكفاءة، ولا الاحتفاء بفوائد الابتكار، إذا كانت مبنيّة على سلسلة من الاستغلال التي تتعمّد أن تبقى غير مرئيّة. إذا كانت التّكنولوجيا تعد بالتّحرّر ولكنّها تُنتج أشكالًا جديدة من التّبعيّة العالميّة، فإنّها تتعارض مع المبدأ الأساسيّ لكرامة الإنسان.

174. إنّ مكافحة أشكال العبوديّة الجديدة هي اختبار حاسم لنعرف هل يوجد تمييز أخلاقيّ في مجال الذّكاء الاصطناعيّ والتّحوّل الرّقميّ. في إطار التّقليد الذي أرساه البابا لاوُن الثّالث عشر، تجدّد الكنيسة إدانتها القاطعة لكلّ أشكال العبوديّة والاتجار بالبشر وتحويلهم إلى سلعة، وتشدّد على الحاجة الملحّة إلى حركة واسعة للتفكير والعمل، تضع في صميم عملها الكرامة غير القابلة للتصرّف لكلّ إنسان والخير العام، كغايات للمجتمع ومعايير لكلّ خيار شخصيّ واجتماعيّ وسياسيّ. بدون هذا التّفكير الأخلاقيّ والإنسانيّ، فإنّ القوّة المتزايدة للأنظمة الرّقميّة قد تقودنا إلى فظائع جديدة، ليست أقلّ إثمًا وخجلًا من الماضي الذي نشكوه، بينما نستمرّ في أن نقدّم أنفسنا مثل مجتمعات ”متقدّمة“ و”متحضّرة“.

175. يجب أن نعترف بأنّ الاتجار بالبشر هو شكلٌ معاصرٌ من أشكال العبوديّة وانتهاكٌ جسيمٌ لكرامة الإنسان. فعدم التّعامل مع هذه الممارسات بحزم أو التّسامح معها بأيّ شكل من الأشكال يعني، إلى حدّ ما، أن نكون اليوم شركاء في الذّنوب التي ارتُكبت في الأمس، عندما كان يتمّ تبرير العبوديّة أو إسكاتها. [173]

176. مع نضوج عقيدتها، أدركت الكنيسة تدريجيًّا خطورة هذا الواقع. صحيح أنّ أحداث الماضي لا يمكن الحكم عليها بشكل غير تاريخيّ، كما لو أنّ جميع المعايير التي نضجت مع مرور الزّمن كانت متاحة دائمًا. ومع ذلك، لا يمكننا إنكار أو التّقليل من شأن التّأخير الذي أدانت به الكنيسة والمجتمع آفة العبوديّة. كانت شخصيّات ومؤسّسات كنسيّة كثيرة تمتلك عبيدًا في العصور القديمة والوسطى، وفي العصور الحديثة تدخّل الكرسيّ الرّسوليّ الرّومانيّ، استجابة لطلبات الملوك، عدّة مرّات، لتنظيم وإضفاء الشّرعيّة على طرق إخضاع ”غير المؤمنين“ وفي بعض الحالات، استعبادهم. [174] كان لا بدّ من الانتظار حتّى القرن التّاسع عشر لإصدار إدانة رسميّة ومطلقة وعالميّة للعبوديّة، لا سيّما على يد البابا لاوُن الثّالث عشر. [175] كان هذا الامر مثالًا واضحًا على نموّ فهم الكنيسة للحقائق الأبديّة للوحي الذي تحفظه. على الرّغم من أنّنا لا نجد انسجامًا في المسألة بحدّ ذاتها، حيث تسامحنا مع العبوديّة لفترة طويلة ولم ندنها بشكل مطلق إلّا في وقت لاحق، إلّا أنّ هناك استمراريّة على مدار التّاريخ فيما يتعلّق بالاقتناع بكرامة كلّ إنسان، المخلوق على صورة الله، وإن لم تتمكّن الكنيسة، خلال ثمانية عشر قرنًا، من التّعبير رسميًّا عن التّناقض التّام في التّعامل مع هذه الكرامة والعبوديّة. إنّها جُرح في الذّاكرة المسيحيّة، ولا يمكننا أن نعتبر أنفسنا غرباء عنها. [176] لا مفرّ من الشّعور بألم عميق عندما ننظر إلى المعاناة والإهانة الهائلتَين اللتَين مثّلتهما العبوديّة لأناسٍ كثيرين، في تناقض مع كرامتهم التي لا حدود لها، التي أحبّها الرّبّ يسوع حبًّا لا حدود له. لهذا، باسم الكنيسة، أطلب بكلّ صدق المغفرة.

177. لهذا السّبب بالتّحديد، فإنّ ذكرى التّواطؤ والتّغاضي في الماضي إزاء ظلم العبوديّة تصير بالنّسبة لنا دعوة إلى اليقظة: فما تعلّمناه يجب أن يترجم بتمييز صحيح ومسؤوليّة في الحاضر. وإن كنّا لا نريد أن نطلب المغفرة في المستقبل لعدم أمانتنا لكنز الكرامة الإنسانيّة التي يعترف بها إيماننا، فإنّه يقع على عاتقنا اليوم أن نكون صريحين وحازمين في إدانة الاتجار بالبشر بمظاهره المتعدّدة، وفي تعزيز مسارات حقيقيّة للوقاية والحماية والتّحرير وإعادة التّأهيل، خطوة بخطوة، وجنبًا إلى جنب مع جميع الذين يلتزمون بذلك.

178. الاستعمار في أيّامنا يُظهر وجهًا جديدًا. فهو لا يسيطر فقط على الأجساد، بل يستولي على البيانات، ويحوّل الحياة الشّخصيّة إلى معلومات قابلة للاستغلال. مناطق بأكملها، لا سيّما أقلّها نفوذًا جيوسياسيًّا وأكثر ضعفًا في هيكليّاتها، يجتاحها اليوم منطق استغلال جديد: في تدفّقات الرّعاية الصّحّيّة، وعند وضع المخطّطات الوبائيّة، والخرائط الجينيّة، والبيانات الدّيموغرافيّة. هذه هي ”الأراضي النّادرة“ الجديدة لأصحاب السُّلطة: هي معلومات حيويّة يمكن استخدامها لتدريب نماذج جديدة، بمجرّد ربطها بعضها ببعض، وتوجيه استراتيجيّات الاستثمار، وتوقّع الأزمات، وقبل كلّ شيء تحديد مَن وماذا هو الأهمّ. من يمتلك البيانات الصّحّيّة لشعوب بأكملها، التي تُجمع اليوم غالبًا تحت شعار المساعدة أو البحث أو الابتكار، يمتلك في الواقع رافعة هيكليّة على المستقبل: يمكنه تكوين الاحتياجات والأسواق. ويمكنه أن يقرّر، قبل الآخرين، لمن يوجّه الأدوية، والاستثمارات، والحماية. هنا تكمن إحدى القضايا الأخلاقيّة الكبرى والمُلِحّة في عصرنا: تحويل المعرفة المشتركة إلى خير عام، وليس إلى أداة للسيطرة. يجب ألّا نعيد إلى الشّعوب البيانات التي تصفها فحسب، بل أن نمنحها أيضًا القدرة على تقرير كيفيّة استخدامها، ومَن سيستخدمها، ولصالح مَن. وإلّا فإنّ العصر الرّقميّ لن يكون ما بعد الاستعماريّ، بل سيبقى استعماريًّا بأشكال أخرى.

179. تتغذّى أشكال العبوديّة الجديدة على السّلاسل الاقتصاديّة والبنى التّحتيّة الرّقميّة. لذلك، يجب علينا العمل في اتّجاهات متعدّدة: أوّلًا، زيادة الشّفافيّة في سلاسل التّوريد التي تدعم صناعة التّكنولوجيا والاقتصاد الرّقميّ، حتّى لا تُبنى أيّة ميزة تنافسيّة على الاستغلال الخفيّ. ثانيًا، من الضّروريّ أن تتبنّى المشاريع التّجاريّة والمستثمرون معايير واضحة للتحقّق الأخلاقيّ الوقائيّ (العناية الواجبة)، بما في ذلك، ضمن الأولويّات، حماية العمّال، ومكافحة العمل القسريّ، والتّأثير الاجتماعيّ لنماذج الأعمال القائمة على البيانات. علاوة على ذلك، يجب دعوة المنصّات الرّقميّة إلى التّعاون بشكل مسؤول مع السُّلطات والمجتمع المدنيّ حتّى لا تصير أدوات الاتّصال، والدّفع، والتّصنيف، قنوات لتجنيد الضّحايا والسّيطرة عليهم. عندما تتلاقى هذه الخيارات، يمكن أن تتحوّل البيئة الرّقميّة من مساحة للاستغلال إلى مساحة للحماية والوقاية وتعزيز الكرامة.

مسؤوليّة مشتركة

180. المجالات المختلفة التي تناولناها، البحث عن الحقيقة في الحياة العامّة، والتّربية في البيئة الرّقميّة، وتحوّلات العمل، وضعف العائلات، وأشكال العبوديّة الجديدة، ليست ظواهر منفصلة. فهي تعبّر عن المخاطر نفسها: إن صارت التّقنيّة معيارًا مطلقًا، فإنّ الإنسان يواجه خطرَ أن يُعامَل مثل البيانات وتسلسلها، أو مثل سلعة، أمّا إن تمّ تبنّي التّقنيّة ضمن أفق الحكمة، فيمكن أن تصير فرصة للنّموّ والعدل والأخوّة.

181. من هذا المنظور، يقترح تعليم الكنيسة الاجتماعيّ مسؤوليّة مشتركة. يطلب بأن تُدار هذه العمليّات ببُعد نظر: من قِبَل مؤسّسات قادرة على التّنظيم دون خنق، وعلى الحماية دون أن تحلّ محلّ الإنسان، ومن قِبَل مشاريع تجاريّة تعترف أنّ العمل والكرامة هما معيار للنجاح، ومن قِبَل هيئات وسيطة وجماعات تربويّة تعيد بناء الثّقة والرّوابط، ومن قِبَل مواطنين يزرعون المسؤوليّة والاعتدال والتّمييز والحسّ بالحقيقة. بهذه الطّريقة فقط يمكن أن يصير الابتكار حقًّا تنمية بشريّة شاملة وليس عامل استبعاد وسيطرة، وبهذه الطّريقة فقط يمكن الاعتراف بأنّ وَعد التّقدّم حقيقيّ، لأنّه يُقاس بالكرامة التي لا يجوز الاعتداء عليها، لكلّ رجل وامرأة.

الفصل الخامس

ثقافة القوّة وحضارة المحبّة

182. بعد أن نظرنا كيف يحوّل الذّكاء الاصطناعيّ بعض أبعاد الحياة والمجتمع، وما يترتّب على ذلك من تداعيات خطيرة على كرامة الإنسان، من الضّروريّ أن نوجّه نظرنا إلى مأساة أشدّ: الحرب. ليست المسألة هنا كفاءة الأدوات الجديدة فحسب، بل خطر أن تجعل التّقنيّة، المنفصلة عن الأخلاق والمسؤوليّة، القرار بشأن الحياة والموت أسرع وأمرًا مجرّدًا من الإنسانيّة، وتقدِّم اللجوء إلى القوّة كخيار فوري وقابل للتطبيق. في عالَم يتزايد فيه التّرابط، لا يُعدّ السّلام موضوعًا من بين مواضيع أخرى، بل هو شرط للخير العام العالميّ ومقياس لنضج الشّعوب الأخلاقيّ، لا سيّما أولئك المدعوّين إلى تحمّل مسؤوليّات الحكم.

183. تعمل الثّورة الرّقميّة على تغيير قواعد الصّراعات. فإلى جانب الحرب المرئيّة، تظهر أشكال هجينة: الهجمات السّيبرانيّة، والتّلاعب بالمعلومات، وحملات التّأثير، وطاقة الآلة في القرارات الاستراتيجيّة. ويدخل الذّكاء الاصطناعيّ في هذه العمليّات كعامل تسريع، في سياق تتّسم فيه العديد من التّقنيّات بطبيعة متناقضة: فما يُبتكر للدّفاع يمكن تحويله بسرعة إلى هجوم، ويميل الحدّ الفاصل بين الحماية والعدوان إلى التّلاشي. يمكن أن يعزّز الذّكاء الاصطناعيّ الدّفاع وحماية المدنيّين، ويمكنه أيضًا أن يخفض عتبة استخدام القوّة، ويجعل المسؤوليّات غامضة، ويغذّي ثقافة يصير فيها العدوّ مجرّد بيانات، والقتلى يصيرون ”أضرارًا جانبيّة“. أمام هذه التّحوّلات، علينا أن نذكّر بمبادئ التّعليم الاجتماعيّ - كرامة الإنسان، والخير العام، والغاية الشّاملة للخيرات، واللامركزيّة والتّكامل في اتّخاذ القرار، والتّضامن، والعدل - كمعايير للحكم هل التّكنولوجيا تخدم البشريّة حقًّا أم تُخضِعها، وتعتبرها مبادئ توجِّه خياراتنا.

184. في هذا الفصل، إذن، أودّ أن أقارن بين منطِقَين متعارِضَين، سبق أن أشرت إليهما بصورَتَين من الكتاب المقدّس: من جهة، التّجربة لبناء برج بابل، بالاعتماد على القوّة والكبرياء، ومن جهة أخرى، الصّبر لبناء أورشليم من جديد، كما في زمن نحميا، ”قطعة قطعة“، لحماية الإنسان والخير العام.

185. إن نظرنا إلى الدّيناميّات العالميّة، فإنّنا ندرك بشكل متزايد انتشار ثقافة القوّة، القائمة على الاستقطاب والعنف. بابل الحديثة ليست فقط النّموذج التّكنوقراطيّ المعولم، بل هي أيضًا الصّراع عن بُعد بين الإمبرياليّات المتعارضة، بين القوى التي تريد الحفاظ على سيادتها والقوى التي تطمح إلى تحقيق هذه السّيادة، مع تعدّد الصّراعات المحلّيّة. وهي أيضًا سباق لتطوير تقنيّات تزداد قدرة، أو لضمان السّيطرة عليها، وفق ديناميكيّة لا إنسانيّة يبدو أنّها لا تعرف الحدود. ومع ذلك، إلى جانب هذا الانحراف، نلمح جزءًا كبيرًا من البشريّة يحاول أن يبقى إنسانيًّا وأن يعمل على بناء مدينة العيش معًا ومدينة السّلام. ونحن جميعًا مرارًا صانعوها ولو كنّا غير مُدرِكين، ومهندسيها غير المتّفقين، قادرين على مبادرات سخيّة ولكنّنا نفتقر إلى رؤية شاملة: إنّه بناء أبطأ وأقلّ وضوحًا وأقلّ ظهورًا، ينتظر أن يُفهم بشكل أفضل ويُنسّق بشكل أفضل، ليصير بذلك التزامًا واعيًا ومنظّمًا لكلّ جماعة، من العائلة إلى حكومات الدّول وعلاقاتها. وعلى هذا الأفق من الالتزام، وعلى مشروع الرّجاء هذا، نُطلق اسم ”حضارة المحبّة“.

حضارة المحبّة في العصر الرّقميّ

186. عندما أدخل القدّيس البابا بولس السّادس مصطلح ”حضارة المحبّة“، [177] كان العالم تحت تأثير الحرب الباردة، والسّباق إلى التّسلّح، والاختلالات الاقتصاديّة الشّديدة. في ذلك السّياق، أشارت الكنيسة إلى طريق بديل للمعارضة الأيديولوجيّة بين الأنظمة، وتصوّرت نظامًا اجتماعيًّا يتشابك فيه العدل والمحبّة، وتصير المحبّة مبدأً لتنظيم الحياة الاقتصاديّة والسّياسيّة والثّقافيّة. اليوم يجب أن نستعيد هذه الرّؤية بقوّة: ليست حضارة المحبّة يوتوبيا أو خيالًا ساذجًا، بل هي مشروع مُلزِمٌ وصعب. يقوم بالتّعبير عن المحبّة بهيكليّات للعدل، وإعطاء شكل مؤسّسي للأخوّة، واعتبار الآخر، سواء كان فردًا أو شعبًا، حليفًا ضروريًّا لبناء الخير العام. كما ذكّرتنا الرّسالة البابويّة العامّة ” كلّنا إخوة-Fratelli tutti“، فإنّ هذه المحبّة الاجتماعيّة وحدها، القادرة على أن تصير ثقافة وقاعدة، يمكنها أن تولّد نظامًا دوليًّا مستقرًّا، وتحوّل التّعايش من مجرّد تعايش مسلّح إلى جماعة لها مصير مشترك. [178]

187. اليوم، في سياق التّحوّل الرّقميّ، يبدو هذا الإحساس أكثر حسمًا وفعّاليّة. فالشّبكات الرّقميّة والاقتصاد المعولم وتطوّر الذّكاء الاصطناعيّ ينشئ روابط أشدّ وأمتن، تربط في الوقت الحقيقيّ القرارات المتّخذة في مكان ما بالآثار التي تنتجها في مكان آخر. لذلك، لا يزال كلام المجمع الفاتيكانيّ الثّاني حول التّرابط المتزايد بين الشّعوب قائمًا حتّى اليوم: فالخير العام يكتسب بعدًا عالميًّا بشكل متزايد، مع حقوق وواجبات تتعلّق بكلّ العائلة البشريّة. [179] مشروع حضارة المحبّة يتولّى هنا المهمّة الحاسمة المتمثّلة في تحويل هذا التّرابط الفرضيّ إلى تضامن مرغوب فيه وتمّ اختياره. إنّه المعيار الذي يوجّه العمليّات التّكنولوجيّة: فلا يكفي أن يجعلنا الذّكاء الاصطناعيّ أكثر كفاءة للإنتاج أو الاتّصال، بل يجب أن يخدم في بناء تلك العائلة البشريّة العالميّة، مع الحقوق والواجبات المشتركة، حيث يصير القرب الرّقميّ فرصة حقيقيّة للقاء والاهتمام المتبادل.

ثقافة القوّة

188. في الوقت الذي نعيش فيه تتعزّز ثقافة القوّة، حيث تميل توفّر الوسائل والقدرة على الهيمنة إلى فرض أجندةٍ ومعايير اتّخاذ القرار، ما يضع خير البشريّة العام في الخلف ويقلّل من مأساة الشّعوب الواقعيّة التي تعيش في حالة حرب، وتنظر إليها على أنّها عامل متغيّر ثانويّ مقارنة بالمصالح الاستراتيجيّة. ثقافة القوّة هذه تتغلغل في المجتمع، وتغيّر العلاقات والسّلوكيّات، وتتوسّع لتجعل الحرب أمرًا عاديًّا، وتسعى إلى قوّة عسكريّة متزايدة، وتستغلّ أزمة التّعدّديّة وتغذّي واقعيّة زائفة تكرّر أنّه لا توجد بدائل.

تطبيع الحرب

189. في سنة 1965، تردّد صدى صرخة القدّيس البابا بولس السّادس بقوّة أمام الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة: "لا حرب بعد اليوم، لا حرب بعد اليوم!" [180]. يجب علينا أن نعترف بأنّ السّنوات السّتّين الماضية شهدت صراعات وحشيّة مروّعة، على الرّغم من الرّغبة في السّلام وإعلانه، التي شملت أحيانًا السّكان المدنيّين على نطاق واسع، وتسبّبت في سقوط ضحايا أبرياء، وموجات من اللاجئين، وزعزعة الاستقرار الاجتماعيّ، وجراح عميقة باقية. مع ذلك، كان شائعًا في الخطاب العام الاعتقاد بأنّ الحرب يجب أن تبقى وسيلة أخيرة، تحيط بها قيود أخلاقيّة وقانونيّة صارمة، وبكلّ الأحوال بأفق سياسيّ موجّه نحو السّلام. وبناءً على التّطوّرات التي حدثت في فترة ما بين الحَربَين العالميَّتَين، وبعد الحرب العالميّة الثّانية، حدثت نقطة تحوّل: فقد وُضع السّلام في صميم النّظام الدّوليّ، كما يشهد على ذلك بصورة خاصّة ميثاق الأمم المتّحدة، الذي يهدف إلى "حماية الأجيال القادمة من ويلات الحرب" [181]، وكانت العديد من الدّساتير الوطنيّة، على الخطّ نفسه، قد حصرت اللجوء إلى السّلاح في حالات قصوى ومحدّدة بدقّة. خلال الحرب الباردة أيضًا، على الرّغم من وجود صراعات خطيرة، بقي هناك إدراك بضرورة تجنّب نشوب صراع عالميّ جديد بأيّ ثمن.

190. أمّا اليوم، فنحن نشهد تحوّلًا حقيقيًّا في النّموذج السّائد في الخطاب العام وفي خيارات إعادة التّسلّح، مع إعادة تأهيل مقلقة للحرب كأداة من أدوات السّياسة الدّوليّة، في حين تتآكل المعايير الأخلاقيّة التي كانت قد حدّت من استخدامها. وكثرت الصّراعات الإقليميّة التي تستمرّ فترة طويلة، وتصاعدت التّوتّرات والتّهديدات المتبادلة وصارت أمرًا شبه معتاد، وظهرت من جديد أشكال من الصّراع بالتّوسّع الإقليميّ، الأمر الذي كان يُعتقد أنّه قد تمّ تجاوزه. والرّأي العام يتمّ توجيهه تدريجيًّا وتعويده على الرّوايات الإعلاميّة المستقطبة، التي يتمّ تضخيمها مرارًا بواسطة خوارزميّات تعزّز الصِّدام والتّعارض.

191. نشهد أيضًا فقدانًا مقلقًا للذّاكرة التّاريخيّة. تلاشي الشّهادات المباشرة عن الهولوكوست (الشُّوَا) والحربَين العالميَّتَين يسهّل إعادة كتابة الماضي بشكل انتقائيّ أو مشوّه، في جوٍّ تحجب فيه الأخبار الكاذبة والتّلاعب بالرّوايات الدّروس التي تلقّيناها. بدون ذاكرة حيّة لأهوال الحرب، فإنّ القرارات السّياسيّة قد تُتَّخَذ على أساس حسابات القوّة، دون رؤية للعواقب على المدى الطّويل.

192. يضاف إلى كلّ ذلك عنصر جديد وحاسم: هو البعد الإعلاميّ والرّقميّ. فشبكات الاتّصال، وبيئات المعلومات المجزّأة، والخوارزميّات التي تشجّع الصِّدام يمكنها أن تضخّم الاستقطاب والضّغينة، وتسرّع الدّعاية، وتجعل التّمييز المشترك أكثر صعوبة. وهكذا، لا تُخاض الحرب فقط، بل يُهيّأ لها ثقافيًّا أيضًا بروايات مبسّطة، ومنطق الصّديق والعدوّ، والتّضليل والخوف. عندما تتلاشى الذّاكرة التّاريخيّة وتضعف المعايير الأخلاقيّة التي تحمي المدنيّين والمستضعفين، يصير من الأسهل تقديم العنف على أنّه ضروريّ أو حتميّ أو حتّى ”نظيف“. في هذه الأجواء تنزلق البشريّة إلى ثقافة القوّة العنيفة، حيث لم يعد السّلام يبدو مهمّةً يجب القيام بها، بل فترة ضعفٍ بين الصّراعات. اليوم، من المهمّ أكثر من أيّ وقتٍ مضى إعادة التّأكيد على ضرورة تجاوز نظريّة ”الحرب العادلة“، التي استُخدمت كثيرًا لتبرير أيّ حرب، مع الإبقاء على حقّ الدّفاع المشروع عن النّفس بمعناه الدّقيق. [182] الإنسانيّة الرّائعة تمتلك أدوات أكثر فعّاليّة وقادرة على تعزيز الحياة البشريّة لمواجهة الصّراعات، مثل الحوار والدّبلوماسيّة والمغفرة. اللجوء إلى القوّة والعنف والأسلحة يدلّ على فقر في العلاقات، وله دائمًا عواقب وخيمة على السّكّان المدنيّين.

القوّة بلا حدود

193. إحدى الظّواهر الحاسمة في الوضع الحاليّ هي نموّ الصّناعة الحربيّة، التي صارت قطاعًا رئيسيًّا في اقتصاد بعض البلدان. العلاقة الوثيقة بين المصالح الاقتصاديّة، والأجهزة العسكريّة والقرارات السّياسيّة يولّد ”أمّة مسلّحة“، تبدو فيها الحرب وكأنّها امتداد طبيعيّ للسياسة، ويصير سوق الأسلحة محرّكًا مستقلًّا للخيارات الحربيّة. لا يمكننا أن نتجاهل المصالح الاقتصاديّة الهائلة الكامنة وراء الحرب. إذ إنّها تفيد صناعات الأسلحة والبلدان المورّدة للأسلحة من سوق يزدهر بفضل الصّراعات بالتّحديد. بهذا المعنى، هناك أيضًا منطق اقتصاديّ يساهم في تأجيج التّوتّرات في مناطق مختلفة من العالم.

194. تحظى التّرسانات العسكريّة باهتمام جديد. في الماضي، شجّع الاعتراف بخطر الأسلحة القادرة على تدمير كلّ البشريّة على مسارات التّهدئة والتّفاوض بشأن نزع السّلاح. للأسف، خرجنا من هذا الأفق، وتطوّر التّرسانات النّوويّة، بما في ذلك احتمال استخدامها ”التّكتيكيّ“، يجعل خطر اللجوء إلى هذه الأسلحة أمرًا أقرب من أيّ وقت مضى. في هذا السّياق، إنّ دخول معاهدة حظر الأسلحة النّوويّة حيّز التّنفيذ سنة 2021، التي أيّدتها أكثر من سبعين دولة، كانت علامة مهمّة، لكنّها توشك أن تبقى رمزيّة إلى حدّ كبير، لأنّ القِوَى النّوويّة الرّئيسيّة لم تنضمّ إليها. وهكذا، انتشرت القناعة الخاطئة بأنّ الرّدع النّوويّ شرط لا غِنَى عنه للأمن، ما أدّى إلى تغذية سباق تسلّح جديد يصعب السّيطرة عليه، يرافقه التّفكيك التّدريجيّ لاتّفاقات خفض الأسلحة النّوويّة وتطوير أسلحة ”مصغّرة“، تجعل من السّهل اعتبار استخدامها خيارًا قابلًا للتطبيق.

195. المنطق نفسه ينطبق على الصّراعات التّقليديّة: فالقوّة العسكريّة، وضعف المبادرات الدّبلوماسيّة، وتعقيد المصالح المعنيّة، تعزّز الصّراعات التي تميل إلى أن تصير مزمنة، مع تكلفة بشريّة وبيئيّة باهظة جدًّا. البدء بالحرب أسهل بكثير من إيقافها، ومع ذلك، فإنّ إعادة التّفكير في تجنّب الصّراعات لا يزال هامشيًّا بشكل مأساويّ.

196. تزداد إمكانيّة عدم الاستقرار مع وجود أطرافٍ جديدة مسلّحة - مجموعات جهاديّة، وميليشيات خاصّة، وشبكات إجراميّة - التي تشير إلى نهاية احتكار الدّولة للقوّة. هذه الأطراف تخلط مرارًا بين دوافع أيديولوجيّة غامضة ومصالح اقتصاديّة ملموسة جدًّا، فيحوّلوا الحرب إلى أسلوب حياة حقيقيّ لأجيال كاملة من الشّباب والأطفال: إذ لم يعد الهدف هو تحقيق نصر نهائيّ، بل استمرار الصّراع كمصدر للسُلطة والدّخل.

الأسلحة والذّكاء الاصطناعيّ

197. بهذا المشهد يرتبط التّطوّر المستمرّ لأنظمة الأسلحة، لا سيّما الأسلحة المرتبطة بالذّكاء الاصطناعيّ. لاحظ الكرسيّ الرّسوليّ مؤخّرًا أنّ السّهولة المتزايدة التي يمكن بها استخدام أنظمة الأسلحة ذاتيّة التّشغيل تجعل الحرب ”قابلة للتنفيذ“ أكثر من قبل، وأقلّ خضوعًا للرقابة البشريّة، ما يتعارض مع المبدأ: إنّ اللجوء إلى القوّة المسلّحة يجب أن يكون الملاذ الأخير في حالة الدّفاع المشروع عن النّفس. [183] لذلك، يجب أن يخضع تطوير الذّكاء الاصطناعيّ واستخدامه في مجال الحرب إلى أشدّ القيود الأخلاقيّة صرامة، في إطار احترام كرامة الإنسان وقدسيّة الحياة، وتجنّب سباق التّسلّح. [184]

198. أحيانًا نتكلّم على ”وكلاء أخلاقيّين اصطناعيّين“، كما لو أنّ الآلة يمكنها أن تضمن، بدقّة أكبر من الإنسان، التّمييز بين الخير والشّرّ. غير أنّ الحكم الأخلاقيّ لا يمكن اختزاله في عمليّة حسابيّة: فهو ينطوي على الضّمير والمسؤوليّة الشّخصيّة والاعتراف بالآخر بأنّه إنسان. لذلك، يجب ألّا نَسند إلى أنظمة اصطناعيّة قرارات مُميتة أو بكلّ الأحوال لا رجعة فيها. لا توجد خوارزميّة يمكنها أن تجعل الحرب مقبولة أخلاقيًّا. لا يُزيل الذّكاء الاصطناعيّ الطّبيعة اللاإنسانيّة المتأصّلة في الصّراع: يمكنه فقط أن يزيد سرعته ويزيد طابعه اللاإنسانيّ. وقد يَخفض عتبة اللجوء إلى العنف، ويحوّل الدّفاع عن النّفس إلى توقّع عمليّ، حيث تصير الضّحايا محض بيانات. وهكذا، فإنّه يعوّدنا على الفكرة أنّ العنف أمر لا مفرّ منه، وأنّه يجب فقط تحسينه. ومع ذلك، يبقى من الأهمّيّة بمكان أن نغرس القِيَم والحُكم الرّشيد في برمجة الأنظمة الاصطناعيّة التي نبنيها، إذ يمكن لهذه الأنظمة أن تسهم في بيئة أخلاقيّة أوسع تمكّن البشر من الإصغاء إلى ضمائرهم بشكل أفضل، وفي الوقت نفسه يمكن أن تضع فيها نماذج الذّكاء الاصطناعيّ حدودًا مناسبة.

199. لا يكفي أن نتذرّع بالأخلاق بشكل عام: بل يجب علينا أن نحدّد معايير للتمييز. المعيار الأوّل هو المسؤوليّة الشّخصيّة. عندما يصير قرار توجيه الضّربة آليًّا أو غامضًا، يزداد خطر التّهرّب من المسؤوليّة. لذلك، يجب أن تبقى سلسلة المسؤوليّات قابلة للتحديد والمساءلة: فالذين يخطّطون، ويدرّبون، ويأذنون، وينفّذون يجب أن يكونوا قادرين على أن يبرّروا خياراتهم. المعيار الثّاني هو وقت الحكم الأخلاقيّ. يميل الذّكاء الاصطناعيّ إلى تقليص أوقات اتّخاذ القرار، ولكن، في الحرب، لا يمكن أن تكون السّرعة والكفاءة الإنتاجيّة هما المعيارَين الأساسيَّين لاتّخاذ القرارات التي لا رجعة فيها. المعيار الثّالث هو التّمييز بين المدنيّين وحمايتهم. كلّ تكنولوجيا تسهّل توجيه الضّربات دون رؤية وجه الطّرف الآخر، تَخفِض عتبة الصّراع الأخلاقيّة. يجب ألّا يخلط اختيار الأهداف واستخدام القوّة بين المقاتلين وغير المقاتلين، ولا أن يتجاهل التّأثير على السّكّان العُزّل.

200. عن هذه المعايير ينبثق بعض المتطلّبات التي لا غِنَى عنها. أوّلًا، يجب ضمان إمكانيّة تتبّع كلّ نظام يُستخدم في مجال الحرب، وإمكانيّة إعادة بناء القرارات، حتّى لا تتلاشى المسؤوليّة وأيّة أخطاء محتملة ”في الآلة“. ثانيًا، لا يمكن تفويض قرار استخدام القوّة المميتة إلى عمليّات غير شفّافة أو آليّة، بل يجب أن يبقى تحت رقابة بشريّة فعليّة وواعية ومسؤولة. أخيرًا، من الضّروريّ وضع قواعد مشتركة، حتّى على المستوى الدّوليّ، تحدّ من سباق التّسلّح التّكنولوجيّ وتضمن حماية خاصّة للمدنيّين والبنى التّحتيّة الأساسيّة لبقائهم على قيد الحياة.

أزمة التّعدّديّة

201. ثقافة القوّة تنبع أيضًا من أزمة النّظام المتعدّد الأطراف. فالمؤسّسات التي نشأت لحماية فكرة المصير المشترك للشّعوب والخير العام العالميّ تبدو ضعيفة، ليس فقط بسبب القيود الهيكليّة، ولكن غالبًا بسبب غياب الإرادة المشتركة لتعزيزها، وإصلاحها والاعتراف بسلطتها الأخلاقيّة. بعد المنعطف التّاريخيّ الذي شهده القرن العشرون، بدلًا من أن نتقدّم، نحن اليوم نتراجع. فبعد سنة 1989، رافق انهيار الأنظمة الشّيوعيّة في أوروبّا عولمة اقتصاديّة بصورة خاصّة، تفتقر إلى بنية سياسيّة ملائمة قادرة على دعم الحوار والسّلام. لكنّها اعتمدت بشكل شبه أعمى على الأسواق في قدرتها على تحقيق الرّفاهيّة والدّيمقراطيّة والاستقرار، في حين أنّ العولمة في الواقع لم تولّد الوَحدة والسّلام تلقائيًّا، بل أثارت ردود فعل أصوليّة ومرتبطة بالهويّة والقوميّة. كانت النّتيجة بعيدة كلّ البعد عن التّعدّديّة الحقيقيّة: بل بدا بالأحرى كأنّه تعدّد في الاستقطاب فوضويّ ومتصارع، حيث تسود عدم الثّقة تجاه الآخر.

202. تظهر من جديد تجربة بناء الهويّة الجماعيّة ضدّ عدوّ، حيث تُغَذَّى روايات يُقَدِّم فيها كلّ واحد نفسه على أنّه ضحيّة له الحقّ على المطالبة بحقّه. التّبسيط في الأنماط – ”أنا أوّلًا“، ”صديق-عدوّ“، ”نحن-أنتم“ – يسهّل اتّخاذ قرارات غالبًا غير مسؤولة، وتقوّض الثّقة المتبادلة بين الدّول. وهكذا، يتمّ استبدال قوّة القانون الدّوليّ بما يُزعم أنّه ”قانون الأقوى“، وغالبًا يتمّ التّحايل على أدواته، مثل المحاكم المختصّة بجرائم الحرب إلى المحاكم المكلّفة بتسوية النّزاعات بين الدّول، أو إضعافها، مع ما يترتّب على ذلك من عواقب مدمّرة على الثّقافة السّياسيّة والعيش معًا. [185]

203. في هذا السّياق، ينتقل بناء السّلام إلى المرتبة الثّانية: التّعاون من أجل التّنمية، ونزع السّلاح، ومنع الصّراعات، وبناء الثّقة المتبادلة تُترك جانبًا، باسم منطق القوّة. وهكذا تضعف أيضًا مكاسب القانون الإنسانيّ: إذ يُعامل مبدأ التّناسب في الرّد على الاعتداءات، وحماية الوصول إلى المياه، والغذاء والخيرات الأساسيّة، واحترام حياة المدنيّين والأطفال، على أنّها ذكريات ساذجة من الماضي.

واقعيّة سياسيّة مزعومة

204. نحن نعيش في زمن يتّسم بعمى روحيّ وثقافيّ ملحوظ. هناك براغماتيّة زائفة تدعو إلى قطع جذور الذّاكرة، كما لو كان من الممكن أن نحتفل بنوعٍ من ”خلق جديد“ منفصل عن الماضي، وحتّى الذين يستشهدون بالمبادئ الأخلاقيّة الكبيرة يمكنهم أن يسقطوا في هذه العدميّة التّاريخيّة، وينخدعوا بفكرة تقول إنّ فظائع القرن العشرين لا يمكن أن تتكرّر. في الواقع، الدّيناميّات نفسها تعود للظهور بأشكال جديدة. يبدو أنّ منطق التّوازن المسلّح والرّدع يعود لفرض نفسه. ولكن، على عكس المشهد الثّنائيّ القطب للحرب الباردة، فإنّ تكاثر الأطراف وجبهات الصّراع اليوم تضعف هذ المنطق بصورة متزايدة. الصّراعات المتفاقمة تدفع نحو حروب غير متكافئة و”هجينة“، يخوضونها أيضًا على الصّعيد الاقتصاديّ والماليّ والرّقميّ، مع استخدام التّضليل وحملات التّخويف للتأثير على الرّأي العام. في بلدانٍ كثيرة، بما في ذلك بلدان في جنوب الكرة الأرضيّة، يُقدَّم زيادة الإنفاق العسكريّ على أنّه الجواب الوحيد على مستقبل غامض أو تهديدات صريحة، في حين أنّ التّكلفة الحقيقيّة تقع على عاتق الفقراء، الذين يشهدون تقلّص الموارد المخصّصة للصحّة والتّعليم والخدمات الاجتماعيّة.

205. وراء كلّ ذلك تكمن ”واقعيّة“ زائفة، لا تستند فقط إلى منطق القوّة السّائد، بل أيضًا إلى قناعة ثقافيّة وأنثروبولوجيّة، كما لو أنّ الحرب جزء لا مفرّ منه من الطّبيعة البشريّة. لطالما كان الأمر كذلك، كما يُقال، باستثناء فترات قصيرة، وسيبقى كذلك إلى الأبد! لذلك، لم تعد المشكلة هي السّلام، الذي فقد مكانته كمرجع في الأفق الدّوليّ، بل كيف ومتى نتعامل عسكريًّا، في حين يُقال إنّ عدم الاستعداد للصراع هو تصرّف غير مسؤول. في المقابل، ما هو غير مسؤول حقًّا هو السّياسة الواقعيّة (Realpolitik)، هذا الشّكل من ”الواقعيّة“ السّياسيّة، التي تزرع في الضّمائر والثّقافة الاستسلام لحرب حتميّة، وتصف السّلام والحوار بأنّهما مواقف وهميّة أو غير عقلانيّة، تتجاهل المخاطر الموجودة على أرض الواقع. عكس ذلك، فإنّ السّلام ليس رجاءً ساذجًا ولا مجرّد غياب للحرب، بل إنّه ثمرة، ممكنة دائمًا، للعدل والمحبّة.

206. في هذا الجوّ، تتشابك العدميّة والبراغماتيّة ويجعلان من الأخطاء الجسيمة أمرًا عاديًّا: المتطرّفون الدّينيّيون والمتعصّبون من حيث الهويّة يتحالفون مع اقتصاديّة لاعقلانيّة، بينما تلجأ السّياسة بسهولة إلى التّضليل والسّخرية من الخصم وبناء المخاوف والأحقاد بشكل منهجيّ. وهكذا، يُنظر إلى اختلاف الآخر بشكل متزايد على أنّه تهديد، ممّا يغذّي الرّغبة في التّملّك، وإرادة السّيطرة، وطموحات الهيمنة، وإساءة استعمال السُّلطة، والخوف من الاختلاف، وتهيّأ أرضيّة يمكن أن تنضج فيها صراعات جديدة دون أن ندرك ذلك تقريبًا. [186]

207.  كلّ ذلك تربةٌ خصبة لحروب جديدة، ربّما أشدّ خطورة من سابقاتها لأنّها تميل إلى أن تفقد كلّ حدٍّ أخلاقيّ. فما كان يُعتبر في الماضي غير مقبول يمكن اليوم تنفيذه دون تردّد تقريبًا، في حين تتكيّف ردود الفعل الدّوليّة بحسب مصالح كلّ حكومة لا بحسب جسامة الوقائع موضوعيًّا. تبدو القرارات الآن وكأنّها مدفوعة بشكل شبه حصريّ في حسابات اقتصاديّة، يتمّ الدّفاع عنها بأوهام إعلاميّة، ونشوة مصطنعة، و”أحلام“ تتحطّم حتمًا، فتولّد الإحباط والعنف الجديد. وعندما نقتنع بأنّ لا شيء حقيقيّ حقًّا وأنّ ”المبادئ“ ليست سوى غلاف فارغ، يشتعل في قلوب النّاس أنفسهم فتيل انفجارات جديدة من التّعصّب والعدوانيّة.

208. في هذا المشهد، يبقى السّؤال حول الضّمانات الحقيقيّة ضدّ أعمال العنف الجديدة مفتوحًا. عندما تعمل ثقافة ما على تطبيع الصّراع وتبريره، ينفتح باب الانحراف الخطير: ما يبدو اليوم غير وارد يمكن أن يصير غدًا مقبولًا بناءً على حسابات المنفعة أو الأمن. في البلدان التي تعاني من توتّرات اجتماعيّة خطيرة، لا يمكننا أن نستبعد أن يعتبر أحدٌ ما الصّراع المسلّح وسيلة فعّالة لتحويل الانتباه عن المشاكل الدّاخليّة، وأداة عنيفة لإدارة الصّعوبات.

209. هناك مسؤوليّة خاصّة تقع على عاتق الذين يعملون في عالم الأبحاث. جميع الأشخاص العالِمين في هذا المجال، العلماء ورجال الأعمال والمستثمرون والسُّلطات الأكاديميّة والسّياسيّون، وآخرون، مدعوّون إلى أن يعملوا في منطق الشّفافيّة والمسؤوليّة، ويحافظوا على وعيهم للصورة الشّاملة التي تندرج فيها التّطوّرات التّكنولوجيّة التي يساهمون فيها، بما في ذلك التّطوّرات المرتبطة بالذّكاء الاصطناعيّ. عندما نكتفي بالنّظر إلى قطاعنا فقط، فإنّنا نتوهّم بأنّنا نؤدّي مهمّة محايدةً أخلاقيًّا، ونتجنّب التّساؤل حول الأهداف النّهائيّة التي توجّه تجارب معيّنة: وهكذا نوشك أن نتعاون، ربّما من غير قصد، في مشاريع غامضة تغذّي أشكالًا جديدة من العنف والتّلاعب والسّيطرة.

بناء حضارة المحبّة

210. إنّ بناء عالَمٍ في حالة حرب دائمة هو شرّ، ويجب أن نسمّي هذه الحالة باسمها. وقد يبدو هذا الوصف للواقع الذي نعيشه قاتمًا أو متشائمًا، لكنّي أعتقد أنّه إدانة ضروريّة. مع ذلك، لا يقتصر المنظور المسيحيّ على إدانة الشّرّ. نحن ننظر إلى التّاريخ في ضوء الرّبّ المصلوب القائم من بين الأموات، الذي أعطاه الآب "كُلَّ سُلطانٍ في السَّماءِ والأَرض" (متّى 28، 18). نحن لا نفسّر الحاضر على أنّه مصير مغلق، بل مجال مفتوح للتوبة الشّخصيّة والجماعيّة. ونؤمن بقوّة الملكوت، الذي ينمو من حبّة الخردل الصّغيرة، من البذرة، التي ما إنْ تزرعها، حتّى تنبت وتنمو (راجع مرقس 4، 26-32). بينما تُحيط بنا ضوضاءُ الفوضى، ينمو الخير بصمت من الأرض. كما قال النّبي: "هاءَنَذا آتي بالجَديد، ولقَد نَبَتَ الآنَ فَلا تَعرِفونَه؟" (أشعيا 43، 19).

211. إنّ قراءة متأنّية للتّاريخ تؤكّد ذلك. حتّى في أحلك الليالي، يشجّع الرّبّ يسوع رجالًا ونساءً قادرين على ألّا يستسلموا، بل يثابروا في الخير: أناسٌ يحمون الضّعفاء ويفتحون أبواب المصالحة. إنّ ذكرى القدّيسين والأبرار، وبناة السّلام الذين هم غالبًا منسيّون، تُبَيِّن أنّ النّعمة لا تقضي على الصّراع بحركة سحريّة، بل تولّد مقاومة نشطة للشّرّ وإبداعًا مدهشًا في الخير. المسيحيّون يرون الظّلام ويدعونه باسمه، لكنّهم لا يبقون واقفين ليتأمّلوا فيه: هُم يعرفون النّور ويعلمون أنّ الظّلام لم يدركه ولا يستطيع أن يتغلّب عليه (راجع يوحنّا 1، 5). لذلك، هُم يخدمون الخير حتّى حيث يبدو أنّ الألم له الكلمة الأخيرة، ويَسنُدُهم رجاءٌ لاهوتيّ يمنح الواقع أفقًا واتّجاهًا.

يمكننا جميعًا أن نؤدّي دورنا

212. عند هذا الحدّ، تراودنا تجربة خفيّة: فنفكّر في أنّ المشاكل كبيرة جدًّا ونحن صغارٌ جدًّا، وبالتّالي فإنّ خياراتنا لا تغيّر شيئًا. إنّه شكل لطيف من أشكال الاستسلام، يتنكّر مرارًا في ثوب الواقعيّة. بالتّأكيد، ليس للجميع القدرة نفسها على التّأثير على الواقع: فهناك من يحكم، ومن يقرّر الاستثمارات، ومن يقود المؤسّسات، ومن يجري البحوث، ومن يربّي، ومن ينقل الأخبار، ومن يُنتج، وهناك من يبدو أنّه لا يملك سوى حياته اليوميّة. ومع ذلك، لا أحد يخلو من المسؤوليّة. كلّ إنسان لديه مجاله للعمل، وهنا، وليس في مكان آخر، هو مدعوّ إلى أن يختار هل يغذّي منطق القوّة (حتّى فقط باللامبالاة، والسّخرية، والكذب، والكراهية)، أم يحافظ على منطق السّلام (بالحقّ، والاعتدال، والقرب، والعناية).

213. وصف الكاتب الكاثوليكيّ جون رونالد ريويل تولكين (John Ronald Reuel Tolkien)، من القرن العشرين، مسؤوليّتنا على لسان أحد أبطال رواياته، قال: "ليس من شأننا أن نسيطر على كلّ أمواج العالم، بل مهمّتنا هي أن نبذل كلّ ما في وسعنا لكي ننقذ السّنوات التي نعيشها، ونستأصل الشّرّ من الحقول التي نعرفها، لكي نترك للذين سيأتون بعدنا أرضًا صحّيّة ونظيفة لزراعتها" [187]. لا تُولد حضارة المحبّة من عمل واحد ومذهل، بل من مجموع أعمال الإخلاص الصّغيرة والمثابرة، التي تشكّل حاجزًا أمام التّجريد من الإنسانيّة. لهذا السّبب، يجدر بنا أن نتوقّف وننظر في بعض الجوانب التي يمكننا، كلّ في مجاله، أن نتعاون من خلالها في بنائها. دون أن أدّعي استنفاد الموضوع، أقترح خمسة مسارات للمسؤوليّة اليوميّة والعامّة: أن ننزع السّلاح من الكلمات، وأن نبني السّلام في العدل، وأن ننظر نظرة الضّحايا، وأن نربِّي واقعيّة سليمة، وأن نعيد إطلاق الحوار والتّعدّديّة.

أن ننزع السّلاح من الكلمات

214. المساهمة الأولى التي يمكننا أن نقدّمها لحضارة فيها مزيد من الإنسانيّة هي التّنبّه لكلامنا. "لننزع السّلاح من الكلمات، فنساهم في نزع السّلاح من الأرض" [188]. قوّة الكلام هائلة ونختبرها في التّواصل اليوميّ، عندما يقول لنا أحدٌ شيئًا يغيّر مزاجنا، إيجابًا أو سلبًا. "السّلام يبدأ من داخل كلّ واحد منّا: من الطّريقة التي ننظر بها إلى الآخرين، والتي نصغي بها إليهم، ونتكلّم عليهم. وبهذا المعنى، فإنّ الطّريقة التي نتواصل بها لها أهمّيّة أساسيّة: يجب أن نقول ”لا“ لحرب الكلمات والصّور، ويجب أن نرفض منطق الحرب" [189]. لذلك، يجب علينا جميعًا أن نراجع ضمائرنا بشأن الكلمات التي نستخدمها، والأحكام المسبقة التي تتخلّلها، والعدوانيّة التي تسكنها، سواء كانت صريحة أم خفيّة. لدينا فرصة حقيقيّة للمساهمة في الخير في كلّ مرّة نقول فيها الحقيقة، أو نقدّم نصيحة حكيمة، أو نعزّز من يحتاج إلى تعزية، أو ندين الظّلم، أو نعطي صوتًا لمن لا صوت له.

أن نبني السّلام في العدل

215. يمكننا جميعًا، على أيّ مستوى، أن نساهم في أساس السّلام، الذي هو العدل. فنحن لا نسعى في الواقع إلى أيّ سلام، أو غياب الصّراع بأيّ ثمن، بل إلى السّلام الحقيقيّ الذي يُولد من العدل. "هناك علاقة وثيقة بين عدل كلّ فرد وسلام الجميع" [190]. كتب القدّيس أَغُسطِينُس في شرحه لآية المزمور "البِرُّ والسَّلامُ تَعانَقا" (المزمور 85، 11): "لا يوجد أحد يهرب من الرّغبة في السّلام، بينما على العكس، ليس الجميع مستعدّين لممارسة العدل. [...] لكن قُم بأعمال العدل: مع الأخذ في الاعتبار أنّ العدل والسّلام يتلاقيان، ولا يوجد بينهما خلاف. لماذا تريد أنت أن تتعارض مع العدل؟ انظر، على سبيل المثال، إلى العدل الذي يقول لك لا تسرق، لكنّك لا تصغي إليه، ولا تزن، فتتظاهر بالصّمم، ولا تفعل بالآخرين ما لا تحبّ أن يفعله الآخرون بك، ولا تقل لقريبك الأشياء التي لا تريد أن يقولها القريب عليك. [...] إذن، هل تريد أن تنال السّلام؟ مارس العدل!" [191]. لا نتعب إذًا من السّعي وراء العدل!

أن ننظر نظرة الضّحايا

216. ثمّة مواقف يتعيّن علينا فيها أن نتخلّى عن تردّدنا ونتّخذ موقفًا، لكي نحافظ على إنسانيّتنا. ثمّة صراعات لا يصحّ فيها أن نبقى حياديّين ولا يكفي فيها أن نعتقد ”بألّا نكون متآمرين“. [192] عندما نواجه قصفًا للمدنيّين، وهجمات على المستشفيات أو المدارس أو البنى التّحتيّة الحيويّة، وعنفًا يصيب الأطفال، فإنّنا نواجه عثرات تجرح الإنسانيّة نفسها. لذلك لا يمكننا أن نبقى على مستوى التّحليلات النّظريّة. كما ذكّر البابا فرنسيس، علينا أن ”نلمس جسد“ المتألّمين: [193] أن ننظر إلى وجوههم، ونصغي إلى قصصهم، ونعترف بجراحهم. الأحداث المؤلمة تحتاج إلى التّاريخ والذّاكرة على حدّ سواء، الأوّل لمحاولة سرد الوقائع، والثّاني للشّهادة على التّجارب.

217. إفساح المجال، في مجال المعلومات والتّربية، لنظرات الضّحايا وأصواتهم يساعدنا لنصير واعين حقًّا لعمق الشّرّ الكامن في الحرب، وبشكل عام، في كلّ شكل من أشكال العنف، وعلى ألّا نقبل منطق الصّراع كأمر طبيعيّ، وعلى ألّا نحوّل نظرنا إلى مكان آخر عندما تحدث إهانة للكرامة الإنسانيّة، وعلى أن نعيد إلى النّاس المتضرّرين كرامتهم في أن يُعترف بهم ويُصغَى إليهم. [194] الاهتمام بهذه الأصوات يغذّي قناعتنا بأنّ البشريّة لا تريد الحرب، باستثناء الأقلّيّات الميّالة إلى العنف. يمكن للكنيسة أن تكون بشكل خاصّ مكانًا للذّكرى الحيّة للضحايا. كما ذكّر القدّيس البابا بولس السّادس، تشعر الكنيسة بأنّ عليها أن تتبنّى صوت الموتى في الحروب الماضية وصوت الأحياء الذين ما زالوا يحملون جراحها، حتّى يصير صراخهم نداءً للسّلام والوئام وليس مقدّمةً لصراعات جديدة. [195]

أن نربِّيَ واقعيّة سليمة

218. نحن بحاجة إلى واقعيّة سليمة، تتجنّب المثاليّة السّياسيّة والسّخرية القاتلة على حدّ سواء. في الواقع، يوجد نوع من المثاليّة التي تنتقي الحقائق وتطويها وتعيد تسميَتها، لكي تحافظ على رؤيَتها للعالم، وفي النّهاية تعيش في واقع مصطنع وفقًا لمعتقداتها. من ناحية أخرى، توجد أيضًا واقعيّة مبتذلة تقبل الاستسلام بدل القِيَم: بما أنّ القوّة تهَيمن، فإنّها تستنتج أنّه يجب أن تهَيمن. لا تتخلّى الواقعيّة الأصيلة عن تغيير العالم: فهي تبدأ برؤية المصالح والمخاوف والقيود وعلاقات القوّة بوضوح، وذلك تحديدًا لحساب ما يمكن تحقيقه وبأيّ خطوات. وهي لا تحصر السّياسة في الأخلاق، ولا تسلّمها إلى العنف أيضًا: بل تبحث عن طُرق قابلة للتطبيق حتّى يكون السّلام أكثر من مجرّد كلمة، بل يكون مؤسّسات ذات مصداقيّة، وضمانات قابلة للتحقّق، ومفاوضات صبورة، ومنع النّزاعات، وحماية المدنيّين.

أن نعيد إطلاق الحوار

219. لكي نبني حضارة المحبّة، يجب أن نمارس الحوار. فهو الأداة الرّئيسيّة للعيش معًا بين الأفراد والشّعوب، وهو البديل للصّراع المفتوح. ذكّر بذلك البابا بيوس الثّاني عشر في عشيّة الحرب العالميّة الثّانية، عندما أكّد أنّه لا يُفقد شيء بالسّلام، بينما يمكن أن يُفقد كلّ شيء بالحرب، وأنّه على البشر أن يعودوا إلى التّكلّم بعضهم مع بعض، لأنّ الحوار الصّادق والمثابر يفتح دائمًا إمكانيّة التّوصّل إلى حلّ مشرّف. [196]

220. الحوار هو بُعد عادي من أبعاد الحياة البشريّة، ولا يقتصر فقط على العلاقات بين الدّول. يجب اكتساب مَيل لبناء روابط أخويّة، قائمة على الإصغاء، والنّظرات الصّادقة، والوقت المكرَّس للغير، وحتّى الوقت الضّائع معًا. لأنّنا إن اختبرنا اللقاء الحقيقيّ مع الآخر، المختلف، والغريب، والمهاجر، يصير من الصّعب جدًّا حتّى مجرّد تخيّل الحرب.

221. على الصّعيد السّياسيّ، من الملحّ الانتقال من ”ثقافة القوّة“ إلى ”ثقافة التّفاوض“ الحقيقيّة، حيث يصير الحوار والعلاقات الدّبلوماسيّة الطّريق المعتاد لمواجهة الصّراعات، كما كان يتمنّى جيورجيو لابيرا (Giorgio La Pira): "يجب استبدال أسلوب الحرب بأسلوب السّلام: وهو أسلوب التّفاوض، واللقاء، والتّقارب: أيّ الأسلوب الإنسانيّ الحقيقيّ!" [197]. إدراك مصير الشّعوب المشترك يتطلّب أن تصير ثقافة التّفاوض التزامًا مشتركًا وسياسيًّا وثقافيًّا، قادرًا على إبعاد البشريّة تدريجيًّا عن دوّامة العنف.

222. أودّ أن أكرّر للذين يتحمّلون شرف ومسؤوليّة الحكم بعض الكلمات التي قلتُها في مطلع حبريّتي: "الشّعوب تريد السّلام، وأنا، من كلّ قلبي، أقول للمسؤولين عن الشّعوب: لنلتقِ، ولنتحاور، ولنتفاوض! الحرب ليست حتميّة أبدًا، والأسلحة يمكن ويجب أن تصمت، لأنّها لا تحلّ المشاكل بل تُفاقمها، لأنّ التّاريخ سيذكر من زرع السّلام، لا من حصد الضّحايا، ولأنّ الآخرين ليسوا أوّلًا أعداءً، بل هم بشر: وهم ليسوا أشرارًا يجب أن نكرههم، بل هم أشخاص، بشرٌ، يجب أن نتكلّم معهم. لنتجنّب الرّؤى المانويّة التي تتّسم بها الرّوايات العنيفة، والتي تقسِّم العالم إلى أخيار وأشرار" [198].

223. يرفض الحوار منطق العنف، وله دور حاسم في العلاقات بين الأديان، لأنّ رسالة السّلام تقع في صميم المسارات الرّوحيّة الكبرى. [199] ومن يستخدم اسم الله لتبرير الإرهاب أو العنف أو الحرب يخون صورة الله: فالقتال باسم الدِّين يعني، في الواقع، الإساءة إلى الدِّين نفسه. [200] إنّ ”روح أسيزي“، التي دعا إليها القدّيس البابا يوحنّا بولس الثّاني واستمرّت في التزام البابا فرنسيس، على سبيل المثال في الحوار مع الإمام الأكبر للأزهر، تُظهر أنّ المؤمنين يمكنهم أن يستقوا من جديد من أعمق مصادر تقاليدهم الرّوحيّة أصالة، حيث لا مكان للكراهية المُقدّسة.

ضرورة الدّبلوماسيّة والتّعدّديّة

224. في العلاقات الدّوليّة، يُعدّ الحوار أداة لا غِنَى عنها للدبلوماسيّة من أجل منع الصّراعات وإعادة حياكة روابط الثّقة. في مواجهة الاتّصالات الاندفاعيّة والخطاب العدوانيّ ومنطق القوّة الذي يميّز عصرنا، "رسالة الدّبلوماسيّة هي تشجيع الحوار مع الجميع، بما في ذلك المحاورون الذين يُعتبرون ”مزعجين“ أو الذين لا يعتبرون أنفسهم مؤهّلين للتفاوض" [201]، مستخدمين التّواضع والصّبر إلى أقصى حدّ، لإعادة توطيد أدنى علامات النّوايا الحسنة بين الأطراف المتنازعة، من أجل الشّروع في عمليّة مصالحة.

225. الفضاء السّيبرانيّ أيضًا صار ساحة للمواجهة: فالهجمات الإلكترونيّة، والتّلاعب بالبيانات، وحملات التّأثير التي يتمّ تنظيمها بمساعدة الذّكاء الاصطناعيّ يمكنها أن تزعزع استقرار بلدان بأكملها قبل أن يصل الأمر إلى صراع مسلّح مفتوح. في هذا المجال، يكون مرارًا تحديد المسؤوليّات غير مؤكّد: فعندما لا يكون واضحًا مَن الذي شنّ الهجوم، يزداد خطر ردود الفعل غير المتناسبة، وأخطاء التّقييم، ودوّامة التّصعيد. لذلك، نحن بحاجة إلى دبلوماسيّة قادرة على العمل أيضًا في هذه البيئة الجديدة، وتفاوض على قواعد مشتركة بشأن استخدام التّكنولوجيّات الرّقميّة، وحماية المدنيّين والمستضعفين من أشكال العنف الخفيّة، وليست أقلّ واقعيّة.

226. المنظّمات الدّوليّة، لا سيّما الأمم المتّحدة، تبقى أدوات أساسيّة لتعزيز حضارة المحبّة، بدعم الحوار بين الأمم، والحلّ السّلميّ للنزاعات، والتّنمية الشّاملة للشّعوب، وحماية الضّعفاء، ونزع السّلاح، والاهتمام بالخليقة. من خلال هذه الجهات، يمكن للمجتمع الدّوليّ أن يسعى إلى الحدّ من أنواع التّفاوت، والدّفاع عن حقوق اللاجئين والأقلّيّات، وتحرير الموارد من التّسلّح لتخصيصها للتنمية البشريّة وحماية بيتنا المشترك. الكرسيّ الرّسوليّ يعزّز هذا الالتزام ويرافقه، مع الاعتراف بأنّ الضّعف الحاليّ للأمم المتّحدة والنّظام السّياسيّ الدّوليّ يكشف عن الحاجة إلى إصلاحات عميقة: ليس الأمر تعديلات فنّيّة فقط، لأنّ أزمة القناعات والقِيَم تمسّ أيضًا الأسس الأخلاقيّة لحياة الأمم وتجعل من الصّعب توجيه التّعدّديّة نحو الخير العام الحقيقيّ. [202]

227. في السّياق الدّوليّ، تتبنّى دبلوماسيّة الكرسيّ الرّسوليّ مبدأ الرّحمة الإنجيليّ كمعيار ملموس للعمل السّياسيّ. إنّها إحدى الطّرق التي يضع بها الكرسيّ الرّسوليّ نفسه في خدمة البشريّة، ويدعوا الضّمائر إلى المحبّة والحقّ، ويدافع عن كرامة كلّ إنسان، ويتكلّم باسم الفقراء والمهاجرين وضحايا الحروب. بهذه الطّريقة، تعبّر الدّبلوماسيّة البابويّة عن كاثوليكيّة الكنيسة وتساهم في بناء حضارة المحبّة التي تُوَجَّه فيها التّكنولوجيّات الجديدة أيضًا نحو الخير العام.

الصّلاة والرّجاء

228. مسارات الالتزام هذه تتغذّى بالصّلاة وهي غذاء لها. في الواقع، بالنّسبة لنا، السّلام "يأتي قبل كلّ شيء من الله، الذي يحبّنا جميعًا دون شروط" [203]. إنّه عطيّة قدّمها يسوع لتلاميذه في يوم الفصح: "السّلام لكم! هذا هو سلام المسيح القائم من بين الأموات، إنّه سلام مجرَّد من السّلاح، وسلام يُجرِّدُ من السّلاح، ومتواضع ومثابر" [204]. بهذه الكلمات ألقيت التّحيّة على الكنيسة والعالم في يوم انتخابي على كرسيّ بطرس، وأودّ أن أكرّرها لأدعوا الجميع إلى أن يطلبوا هذه العطيّة. لا نتعب من الصّلاة من أجل السّلام والالتزام بتحقيقه في علاقاتنا وفي المجتمع.

الخاتمة

229. "فلْيَنْظُرْ كُلُّ واحِدٍ كيفَ يَبني" (1 قورنتس 3، 10): إنّه كلام القدّيس بولس، الذي شجّع به مسيحيّي قورنتس على أن يحفظوا الوَحدة. أيّها الإخوة والأخوات الأعزّاء، لقد تساءلنا عن العالم الذي نبنيه، وسألنا أنفسنا ماذا يعني أن نحمي الإنسان في عصر الذّكاء الاصطناعيّ. في ختام هذا المسار، أودّ أن أقدّم لكم مسيرة للحياة المسيحيّة متّسمة بالبساطة ومتطلّبة نعيش بها هذا التّغيير التّاريخيّ في ضوء الإنجيل. إنّها مسيرة تنشأ من التّأمّل في مخطّط الله، وتعيش الوَحدة الكنسيّة وتتغذّى من كلمة الله والإفخارستيّا، وتبني العالم في الخير، وتصلّي مع مريم العذراء.

الكلمة صار جسدًا

230. في عالَم يرزح تحت وطأة مناورات كثيرة تهدف إلى غزو الأسواق ومجالات النّفوذ، التي تتستّر مرارًا بخطابات مطمئنة وبُنى أيديولوجيّة مُغرية، يشعر قلبنا بالحاجة إلى اكتشاف مخطّط مختلف، حكيم ورحيم، ويشبه المخطّط الذي تتأمّله مريم في نشيد ”تعظّم نفسي الرّبّ“، عندما تُعلِن أنّ رحمة الله تمتدّ من جيل إلى جيل على الذين يتّقونه. [205] مخطّط الرّحمة هذا يجتاز التّاريخ اليوم أيضًا، في خضمّ التّغيّرات السّريعة والمضطربة التي تحدّدها الخوارزميّات والشّبكات العالميّة، ويصير بوصلة لحياة إنجيليّة في العصر الرّقميّ.

231. نجد في مركز حياتنا سرّ التّجسّد: الكلمة صار بشرًا وسكن بيننا. جسد الابن، الفقير والضّعيف، يذكّرنا بجسد الإخوة والأخوات الكثيرين الذين جُرِّدُوا من كرامتهم وفُرِضَ عليهم الصّمت، [206] ومن خلال هذا القرب، تدخل عطيّة السّلام إلى العالم بطريقة متناقضة: مثل قوّة تمكّننا من أن نصير أبناء الله، وتستيقظ عندما نتأثّر ببكاء الصّغار، وضعف المسنّين، وصمت الضّحايا، وتعب الذين يجاهدون ضدّ الشّرّ الذي لا يريدون أن يعملوه. [207] في هذا الجسد المجروح والمحبوب، يُبَيِّن لنا الآب الإنسانيّة الحقيقيّة لحياة تتحقّق في الانفتاح والتّواصل إلى درجة تجعلنا نريد أن تتحقّق مشيئته كما في السّماء كذلك على الأرض. [208]

232. أمام وعود ما بعد الإنسانيّة وبعض التّيّارات التي تتجاوز الإنسانيّة، التي تسعى إلى إنسانيّة معزّزة لكن تكاد أن تكون غير مجسّدة، ندرك رغبة تهمّنا: الحاجة إلى حياة فيها مزيد من الامتلاء، وأقلّ عرضة للضعف والألم. غير أنّ سرّ التّجسّد يفتح طريقًا مختلفًا. فبينما تدفع الأيديولوجيّات القديمة والجديدة الإنسان إلى تجاوز الحدود تقنيًّا والارتقاء فوق الآخرين لفرض سيطرته، فإنّ سرّ ابن الله الذي يدخل في حالتنا يروي حركة معاكسة: الإله الحيّ ينزل إلى تاريخنا ليحرّرنا من كلّ عبوديّة، [209] ويأخذ على عاتقه ضعفنا ويحوّله إلى مكان للخلاص. لا توجد لحظة أو حالة إنسانيّة غير جديرة بالله: "وفقًا لتعاليم إيماننا، لنا في أسرارنا، إلهٌ يولد في المذود ونسجد له، إلهٌ يعيش ويتجوَّل في اليهوديّة، إلهٌ يموت على الصّليب، إلهٌ مات ورقد في القبر" [210]. هكذا يجد مستقبل البشريّة معياره في القدرة على قبول هذه الطّريقة الإلهيّة في الاقتراب من النّاس، ومشاركة أعباء العالم، وتحويل العلاقات من الدّاخل. "يا للعجب [...] الإنسان هو الله، وهذا الإله الإنسان يمرّ بكلّ تلك المراحل، ويتحمّل كلّ تلك الحالات ويَرفع من شأنها، ويُقدّسها، ويؤلّهها في ذاته!" [211]. ما يخلّص الإنسان هو الحبّ الإلهيّ الذي ينزل إلى أضعف نقطة في تاريخه ويجدّده في أعماقه.

233. لذلك، كمؤمن بين المؤمنين، أدعو إلى أن تتأمّلوا، في وجه الابن، في الإنسانيّة الرّائعة التي تضيء أيضًا عصر الذّكاء الاصطناعيّ. في المسيح نفهم أنّ الإنسان مدعوّ إلى أن يكون شريكًا في عمل الخلق، بدل أن يكون متفرّجًا مستسلمًا لعمليّات تكنولوجيّة تحدّ من حرّيّته ومسؤوليّته. [212] الكرامة التي ينقشها الرّوح القدس في كلّ واحدٍ منّا تظهر أيضًا في القدرة على التّفكير النّقديّ، والاختيار، والمحبّة دون مقابل، والدّخول في علاقات حقيقيّة. لا يوجد أيّ نظام حسابيّ، مهما كان متطوّرًا، يَلِد قلبًا يسلّم نفسه، ولا ضميرًا يميّز الخير. حتّى عندما تتفوّق الآلات في الكفاءة، يبقى مركز التّاريخ وجهًا بشريًّا يطلب أن يُنظر إليه. هذا الوجه البشريّ هو الكمال الذي يسير التّاريخ نحوه. إنّه سرّ مراجعة كلّ شيء في المسيح، واليقين بأنّ الآب قد قرّر أن يجمع كلّ شيء فيه، ما في السّماء وما على الأرض، فهو الرّأس الواحد (راجع أفسس 1، 10). في هذا المخطّط، لن يضيع شيء ممّا هو إنسانيّ حقًّا، بل سيتّم تطهير كلّ شيء وتوحيده في الذي يجمع كلّ كِسرَةٍ من الحياة، وكلّ دمعة، وكلّ إنجاز إنسانيّ حقيقيّ، لينتشلها من العدم ويسلّمها، مفديّة، إلى الآب.

جسد واحد في المسيح

234. الرّوحانيّة التي نحتاج إليها هي روحانيّة إفخارستيّة، أي روحانيّة الوَحدة الكنسيّة في المحبّة. سرّ التّجسّد والفصح يُظهِران لنا الإله الذي يدخل في حالتنا البشريّة فتتجلّى حتّى عطاء الذّات. وهذا العطاء يبقى حاضرًا وعاملًا في الإفخارستيّا، التي فيها نتناول الرّبّ يسوع وفيها هو يجمع الكنيسة، لكي تصير تقدمته مبدأ للوَحدة وينبوعًا للحياة الجديدة. من هذه الوَحدة والشّركة ينشأ أيضًا التّضامن المسيحيّ، لأنّ "الاتّحاد مع المسيح هو في الوقت نفسه اتّحاد مع جميع الآخرين الذين يهب لهم المسيح نفسه" [213]. كما شرح القدّيس أَغُسطِينُس للمسيحيّين الجدد في كنيسته، فإنّ الخبز والخمر على المذبح هما سرّ وَحدة المؤمنين في المسيح: "ما يُرى له مظهر ماديّ، وما يُفهم ينتج أثرًا روحيًّا. إذا أردت أن تفهم [سرّ] جسد المسيح، فاستمع إلى الرّسول الذي يقول للمؤمنين: أَنتُم جَسَدُ المَسيح وكُلُّ واحِدٍ مِنكُم عُضوٌ مِنه (1 قورنتس 12، 27). فإذا كنتم أنتم جسد المسيح وأعضاءه، فإنّ سرّكم موضوع على مائدة الرّبّ: تقبّلوا سرّكم. وأجيبوا: آمين على حقيقة ما أنتم، هذا توقيعكم. في الواقع، يُقال لكم في المناولة: جسد المسيح، فتجيبون: آمين. كونوا أعضاء في جسد المسيح، لكي يكون قولكم ”آمين“ صادقًا" [214].

235. كلمة ”آمين“ التي نقولها في الليتورجيّا، والجسد الذي نأكله والدّمّ الذي نشربه، تكوِّن كلّ حياتنا. الإفخارستيّا "هي لقاء شخصيّ جدًّا مع الرّبّ يسوع، ومع ذلك، فهي ليست مجرّد عمل تقويّ فرديّ" [215]. فيها يتجلّى بشكل مرئيّ أنّنا "نحن كنيسة المسيح، ونحن أعضاؤه، وجسده. نحن إخوة وأخوات فيه. وفي المسيح، على كثرتنا واختلافاتنا، نحن شيء واحد: في المسيح الواحد نحن واحد" [216]. الإفخارستيّا تجعلنا ننفتح على العدل والمشاركة، مع تنبّه خاصّ نحو الذين يحملون عبء الفقر والتّهميش. وبينما يمكن للشبكات الاقتصاديّة والتّكنولوجيّة الجديدة أن تولّد الإقصاء والعزلة والتّبعيّة، فإنّ الكنيسة التي تتغذّى من الإفخارستيّا مدعوّة إلى أن تُظهر مقياسًا آخر، بالحفاظ على الرّوابط، وإعادة الصّوت إلى غير المرئيّين، وتوجيه العمليّات نحو كرامة الإنسان.

ورشة عمل عصرنا

236. الرّوحانيّة التي أريد أن أقدّمها هي روحانيّة ”المهندس المعماريّ الحكيم“ الذي يلتزم في بناء العالم في الخير، وهو مدفوع برجاء ملكوت الله (راجع 1 قورنتس 3، 10). كما كتبت في بداية هذه التأمّلات، [217] يجب أن يكون أساس بنائنا اليوم هو العلاقة مع الله، وقاعدته هي قبول الحدود البشريّة باعتبارها أمرًا طبيعيًّا وإيجابيًّا، وأسلوبه هو المسؤوليّة المشتركة واللغة الإنجيليّة. في نهاية المسيرة، يتبلور مشروع حضارة المحبّة بشكل أوضح، ويبدو أنّ الورشة قد انطلقت من قَبل، لا سيّما بفضل الكثير من ”الحجارة الحيّة“ المرتبطة ارتباطًا راسخًا بالمسيح، حجر الزّاوية (راجع 1 بطرس 2، 4-6). في هذا العمل، نحن مدعوّون إلى أن نقوم بدور نشط، دون اللجوء إلى الرّوحانيّة المجرّدة أو إلى عالمنا الصّغير: يجب أن نكون أُمناء للحقّ، ونستثمر في التّربية، ونهتمّ بالعلاقات، ونحبّ العدل والسّلام.

237. لنبقَ أمناء للحقيقة! ونحن نعيش غارقين في تدفّقات لا تنقطع من المعلومات والآراء والصّور، نعلَم كم هو سهلٌ أن نوجّه القرارات والتّفضيلات بخوارزميّات متطوّرة أكثر فأكثر. [218] في هذا السّياق، من المهمّ أن نحافظ على قلب يحبّ الحقيقة، ويريد ما هو عادل أكثر من المواضيع التي تلفت النّظر، ويبحث عن الحكمة أكثر من المواضيع التي لها تأثير فوريّ. الحقيقة التي يجب ألّا نفقدها هي حقيقة الله والإنسان، كما كشفها لنا المسيح. يجب علينا أن نتخلّى عن نظرة الإنسان الفرديّة والتّقنيّة، كما لو أنّ الواقع مجرّد مادّة يمكن تكوينها وفقًا لمصالح أنانيّة، سواء فرديّة أم جماعيّة. [219] ولنَغرِس وَلْنُنَمِّ في المقابل ما وصفه البابا فرنسيس بـ"المركزيّة البشريّة" [220]، التي تعترف بأنّ الإنسان مخلوق مندمج في نسيج من العلاقات مع الكائنات الحيّة الأخرى ومع كلّ الخليقة. الأمانة للحقيقة يتطلّب دمج الإمكانات التي توفّرها التّقنيّة في مسيرة من الحكمة، وقادرة على أن تحافظ معًا على كرامة كلّ إنسان وعلى مستقبل بيتنا المشترك.

238. لنستثمر في التّربية التي تبدأ من أنفسنا! نحن جميعًا بحاجة إلى أن نُنشّئ أنفسنا على أن نعيش البعد الرّقميّ بطريقة إنسانيّة، وكجزء لا يتجزّأ من التّربية على الإيمان وحياة الإنجيل الصّالحة. يجب علينا أن نربّي أنفسنا على اعتبار العالم الرّقميّ قارّةً جديدة تحتاج إلى بشارة الإنجيل، التي تتطلّب مُرسَلين مُضَحِّين وناضجين في الإيمان. وبشكل خاصّ، نحن بحاجة إلى بالغين يكتشفون من جديد دعوتهم كصُنَّاع تربية، ومستعدّين للعمل اليوميّ، الصّبور، الذي تعزّزه التّحالفات التّربويّة الواسعة والمشتركة. إنّ مرافقة الأطفال والفتيان في استخدام التّكنولوجيّات كمساحة للعلاقات المسؤولة، ومساعدتهم على أن يتعرّفوا على مخاطرها وأن يختاروا ما ينمّي حرّيّتهم الدّاخليّة، هو اليوم شكلٌ ملموسٌ من أشكال المحبّة وحماية كرامتهم. تربية الأجيال الجديدة على أن يؤمنوا بأنّ تطوّر التّكنولوجيّات لا يتبع مسارًا حتميًّا، بل يمكن توجيهه بالمسؤوليّة الشّخصيّة والجماعيّة، وهو أحد أثمن الخدمات للخير العام.

 

239. لنهتمّ بالعلاقات! في عصرٍ يميل إلى السّرعة والتّجزئة، لا يزال الجسد البشريّ يطلب أن يتمّ الاهتمام والاعتراف به من قِبَل أيادٍ قادرة على الحنان، وعقول متنبّهة، وكلمات طيّبة. الثّقافة الرّقميّة تضاعف الرّوابط وتقدّم إمكانيّات جديدة للقاء، مع ذلك، يبقى قلب الإنسان بحاجة لا غِنَى عنها إلى القرب. أدعو إلى أن تحافظوا على الأماكن والأوقات التي يظلّ فيها الحضور الجسديّ حاسمًا: مثلًا المائدة المشتركة، والجماعة المسيحيّة التي تجتمع، وزيارة من هُم وحدهم، وخدمة الفقراء. إنّها علامات على إنسانيّة لا تزال تؤمن بأنّ كلّ جسد هو هيكل للروح القدس وبيت لله، وهذا التّحالف بين المجد والضّعف بالتّحديد يصير معيارًا لتقييم النّماذج الأنثروبولوجيّة التي تقترحها الثّقافة الحاليّة.

240. لنحبّ العدل والسّلام! التّقنيّات نفسها التي تسهّل التّواصل والوصول إلى الموارد يمكنها أن تعزّز نماذج تستغلّ المستضعفين، وتغذّي أشكالًا جديدة من العبوديّة، وتحوّل الصّراع إلى فرصة للربح. كلّ خيار تقنيّ أو اقتصاديّ يتحوّل إلى مكان للتمييز الرّوحيّ، وفرصة للتحقّق ممّا إذا كانت تطوّرات الذّكاء الاصطناعيّ تفتح مجالات للعدل والمشاركة أم أنّها تركّز الثَّروة والسُّلطة في أيدي قلّة قليلة. أدعو إلى أن تنظروا بوضوح إلى سلاسل الإنتاج الرّقميّ، وظروف العمل المخفيّة وراء أجهزتنا، والآليّات التي تستفيد من التّلاعب والحرب، وفي الوقت نفسه، أن تبحثوا عن طرق عمليّة لتنمية المساواة والمشاركة والعناية بالخليقة. الرّجاء الذي نعلنه يأتي من السّماء "لكي يَلِد هنا، على الأرض، تاريخًا جديدًا": ولهذا السّبب بالتّحديد يلتزم المؤمنون بأن يحلّ المزيد من العدل مكان عدم المساواة ولكي "تحلّ صناعة السّلام محلّ صناعة الحرب" [221].

241. وبالنّظر إلى الغد، أودّ أن أستحضر صورة نحميا، الذي اخترناه في بداية هذه المسيرة رفيقًا ومرشدًا لنا. سمع نحميا صراخ مدينة مجروحة، وحمل ذلك الألم في صلاته، وميّز أمام الله، وطلب المساعدة، وحصل على الإذن لكي ينطلق، ونظّم العمل، وواجه مقاومة داخليّة وخارجيّة، وأعاد بناء أسوار أورشليم مع الشّعب، حجرًا فوق حجر. أرى فيه مثالًا مُنيرًا لدعوتنا في زمن التّحوّل الرّقميّ لألّا نكون متفرّجين مستسلمين للانقسامات الاجتماعيّة والثّقافيّة، ولا مجرّد معلّقين على الأنقاض، بل نكون نساءً ورجالًا يدخلون ورشة عمل التّاريخ – مختبرات الأبحاث، والمشاريع التّكنولوجيّة، والمدارس، ووسائل الإعلام، والمؤسّسات، والجماعات المسيحيّة المحلّيّة – ليُقيموا ما تهدّم ويحموا ما هو معرّض للخطر. مثل نحميا، نحن أيضًا مدعوّون إلى أن نجمع بين الإصغاء والشّجاعة، والصّلاة والمسؤوليّة، لكي تصير مدينة البشر أكثر ملاءمة للعيش، حتّى ولو بدا أنّ المنطق التّكنوقراطيّ ومصالح حزبٍ معيّن هي السّائدة.

242. إنّ صورة إعادة بناء أورشليم تذكّر بوعد العهد الجديد، بالمدينة المقدّسة التي تُمنح لنا أوّلًا عطيّةً من الله. ففي سفر الرّؤيا، تنزل أورشليم الجديدة إلينا عطيّةً لكلّ شعب الله، "مُهَيَّأَةً مِثلَ عَروسٍ مُزَيَّنَةٍ لِعَريسِها" (رؤيا يوحنّا 21، 2). أسوار أورشليم لم تعد تحصينات دفاعيّة، بل صارت زينةً ثمينة لعروس الحمل. أمّا أبوابها، التي كان نحميا يعتني بحراستها، فقد بقيت مفتوحة دائمًا أمام جميع الأمم. إنّ حضور الله يقدّم للجميع نورًا وحياة. فالمدينة هي جنّة جديدة، فيها ماء حَيّ يُعطى للعطاش، وشجرة حياة ورقها "لِشِفاءِ الأُمَم" (رؤيا يوحنّا 22، 2). في انتظار اكتمال هذه الرّؤية، فهي تقف أمامنا مثل دعوةٍ ونداء لنتجاوز انقساماتنا ونعمل معًا: فهذه هي طريق يسوع المسيح، أمس واليوم وإلى الأبد.

نشيد الرّجاء: نشيد ”تعظّم نفسي الرّبّ“

243. النّقطة الرّابعة في برنامج الحياة المسيحيّة هذا، بعد الإيمان الذي يتأمّل في مخطّط محبّة الآب، والمحبّة التي توحّدنا في جسد كنسيّ واحد، والرّجاء الذي يعزّز عملنا في العالم، هي الصّلاة. نشيد مريم العذراء يرافق التزامنا. أمام أليصابات التي أعلنت لها أنّها صارت أمّ الرّبّ يسوع، انطلقت مريم العذراء في نشيد تسبيح وفرح: تعظّم نفسُها الرّبّ وتبتهج روحُها بالله مخلّصها، لأنّه اختار لمخطّط خلاصه فتاة شابّة، فقيرة، وصغيرة. فجأة، رأت مريم العذراء كلّ التّاريخ بعيون هذا الاكتشاف. لم يتغيّر شيء حولها: فالوضع الاجتماعيّ والسّياسيّ لعصرها بقي كما هو، مع الرّومان الذين يسيطرون على أرضها وشعبها المنقسم والمُهان. ومع ذلك، فقد تغيّر كلّ شيء في داخلها، فسمح لها ذلك بأن ترى ما هو غير مرئيّ. لقد صنع الله حقًّا عزًّا بساعده، وشتّت المتكبّرين، وحطّ المقتدرين، ورفع المتواضعين، وأشبع الجياع، والأغنياء أرسلهم فارغين. لقد عضد إسرائيل عَبدَه بالفعل. الله "يقف إلى جانب الأخيرين. مشروعه يكون مرارًا مخفيًّا تحت غموض الأحداث البشريّة، التي ترى ”المتكبّرين والأقوياء والأغنياء“ ينتصرون. ومع ذلك، فإنّ قوّته السّرّيّة ستُكشف في النّهاية" [222].

244. لا تعلّمنا مريم العذراء أن نرى عمل الله غير المرئيّ فقط، بل توجّه نظرنا أيضًا "إلى نقاط انكسار الإنسانيّة، هناك حيث يظهر اعوجاج العالم، في الصّراع بين المتواضعين والأقوياء، وبين الفقراء والأغنياء، وبين الشّباع والجياع"، وتربّينا "لنكوِّنَ فينا وجهة نظر مختلفة لكي ننظر إلى العالم من الأدنى، بعيون المتألّمين، لا بعيون الكِبار، ولكي ننظر إلى التّاريخ بنظرة الصّغار، لا من وجهة نظر أصحاب السُّلطة، ولكي نفسّر أحداث التّاريخ من وجهة نظر الأرملة واليتيم والغريب، والطّفل الجريح والمنفيّ واللاجئ" [223]. وهكذا، تصير سيِّدتنا مريم العذراء "شاعرة ونبيّة الفداء"، لأنّ من شفتيها انبثق "أقوى وأحدث نشيد قيل على الإطلاق، نشيد ”تعظّم نفسي الرّبّ“، وهي التي كشفت عن المخطّط الذي يحوّل التّدبير المسيحيّ، النّتيجة التّاريخيّة والاجتماعيّة، التي لا تزال حتّى الآن تستمدّ من المسيحيّة أصلها وقوّتها" [224].

245. بمِثلِ إيمان مريم العذراء، لِنَكُنْ ناسِجين للرجاء في عالمنا، ولْنَتَشارَك في ما نحن عليه وما لدينا، حتّى ينمو حضور يسوع بيننا ويتكوّن ملكوته. في الأمانة المتواضعة كلّ يوم، يمكن لزمن الذّكاء الاصطناعيّ أيضًا أن يصير مرحلة يُنضِج فيها الرّوح القدس حضارة المحبّة في حياتنا: فالرّبّ يسوع يستمرّ في أن يجعل كلّ شيء جديدًا ويُبقي الباب مفتوحًا لكلّ عصر حتّى يصير تاريخ خلاص في ضوء سرّ التّجسّد. أُوكِل هذه الرّغبة إلى أمّ المسيح، إلى سيِّدة نشيد ”تعظّم نفسي الرّبّ“، لكي ترافق خطواتنا في الحاضر المتغيّر وتحفظ في كلّ واحدٍ منّا الثّقة بالإنجيل، حتّى نستطيع أن نشهد لجمال إنسانيّة رائعة يسكنها الله.

صَدَرَ في روما، قُرب ضريح القدّيس بطرس، في 15 أيّار/مايو سنة 2026، الثّانية من حبريَّتي.

لاوُن الرّابع عشر

************

[1] المجمع المسكونيّ الفاتيكانيّ الثّاني، دستور رعائي في الكنيسة في عالم اليوم، فرح ورجاء، 22: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 58 (1966)، 1042.

[2] راجع المرجع نفسه، 11: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 58 (1966)، 1033-1034.

[3] المؤلّف نفسه، دستور عقائديّ، نور الأمم، 1: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 57 (1965)، 5.

[4] راجع لاوُن الثّالث عشر، الرّسالة البابويّة العامّة، الشّؤون الجديدة-Rerum novarum (15 أيّار/مايو 1891)، 22: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 23 (1890-1891)، 653.

[5] بندكتس السّادس عشر، الرّسالة البابويّة العامّة، المحبّة في الحقيقة-Caritas in veritate (29 حزيران/يونيو 2009)، 69: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 101 (2009)، 702.

[6] فرنسيس، الرّسالة البابويّة العامّة، كُنْ مُسَبَّحًا (24 أيّار/مايو 2015)، 104: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 107 (2015)، 888.

[7] المرجع نفسه.

[8] القدّيس أَغُسطِينُس، الاعترافات الجزء الأوّل، 1، 1: مجموعة المؤلّفين المسيحيّين السّلسلة اللاتينيّة 27، تورنهوت 1981، 1.

[9] فرنسيس، الإرشاد الرّسولي، فرح الإنجيل (24 تشرين الثّاني/نوفمبر 2013)، 183: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 105 (2013)، 1097.

[10] المجمع المسكونيّ الفاتيكانيّ الثّاني، دستور رعائي في الكنيسة في عالم اليوم، فرح ورجاء، 36: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 58 (1966)، 1054؛ راجع المؤلّف نفسه، قرار في رسالة العلمانيين، النّشاط الرّسوليّ، 7: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 58 (1966)، 843-844.

[11] المجمع المسكونيّ الفاتيكانيّ الثّاني، دستور رعائي في الكنيسة في عالم اليوم، فرح ورجاء، 44: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 58 (1966)، 1065.

[12] فرنسيس، الإرشاد الرّسولي، فرح الإنجيل (24 تشرين الثّاني/نوفمبر 2013)، 257: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 105 (2013)، 1123.

[13] القدّيس يوحنّا بولس الثّاني، رسالة رسوليّة صادرة في صورة براءة بابويّة، العلوم الاجتماعيّة- Socialium scientiarum(1 كانون الثّاني/يناير 1994): أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 86 (1994)، 209.

[14] فرنسيس، الرّسالة البابويّة العامّة، كُنْ مُسَبَّحًا (24 أيّار/مايو 2015)، 61: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 107 (2015)، 871.

[15] راجع القدّيس يوحنّا بولس الثّاني، الرّسالة البابويّة العامّة، الاهتمام بالشّؤون الاجتماعيّة- Sollicitudo rei socialis (30 كانون الأوّل/ديسمبر 1987)، 41: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 80 (1988)، 570-572.

[16] المؤلّف نفسه، الرّسالة البابويّة، الألفيّة الثّالثة- Tertio millennio adveniente (10 تشرين الثّاني/نوفمبر 1994)، 35: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 87 (1995)، 27

[17] كلمة إلى أعضاء المؤسّسة الحبريّة مئة سنة -Fondazione Centesimus Annus Pro Pontifice (17أيّار/مايو 2025): أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 117 (2025)، 696.

[18] فرنسيس، الإرشاد الرّسولي، فرح الإنجيل (24 تشرين الثّاني/نوفمبر 2013)، 222: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 105 (2013)، 1111.

[19] راجع المرجع نفسه، 236: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 105 (2013)، 1115؛ المؤلّف نفسه، الرّسالة البابويّة العامّة، كلّنا إخوة (3 تشرين الأوّل/أكتوبر 2020)، 215: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 112 (2020)، 1045-1046.

[20] المجمع المسكونيّ الفاتيكانيّ الثّاني، دستور عقائديّ، نور الأمم، 13: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 57 (1965)، 17.

[21] راجع القدّيس بولس السّادس، الرّسالة البابويّة، السّنة الثّمانون-Octogesima adveniens (14 أيّار/مايو 1971)، 4: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 63 (1971)، 403.

[22] راجع فرنسيس، الإرشاد الرّسولي، فرح الإنجيل (24 تشرين الثّاني/نوفمبر 2013)، 243: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 105 (2013)، 1118.

[23] راجع بيوس الثّاني عشر، الإرشاد الرّسوليّ، في ذهننا- Menti Nostrae(23 أيلول/سبتمبر 1950): أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 42 (1950)، 657-702.

[24] القدّيس يوحنّا بولس الثّاني، الرّسالة البابويّة العامّة، السّنة المئة-Centesimus annus (1 أيّار/مايو 1991)، 5: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 83 (1991)، 799.

[25] بيوس الحادي عشر، الرّسالة البابويّة العامّة، السّنة الأربعون- Quadragesimo anno(15 أيّار/مايو 1931)، 39: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 23 (1931)، 189؛ راجع بيوس الثّاني عشر، رسالة إذاعيّة في مناسبة ذكرى خمسين سنة على الرّسالة البابويّة العامّة، الشّؤون الجديدة-Rerum novarum: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 33 (1941)، 198.

[26] راجع المؤلّف نفسه، كلمة إلى مجمع الكرادلة المقدّس والشّخصيّات الكنسيّة الرّومانيّة (24 كانون الأوّل/ديسمبر 1940): أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 33 (1941)، 13.

[27] راجع القدّيس يوحنّا الثّالث والعشرون، الرّسالة البابويّة العامّة، أمّ ومعلّمة-Mater et magistra (15 أيّار/مايو 1961)، 2-3: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 53 (1961)، 402.

[28] راجع المؤلّف نفسه، الرّسالة البابويّة العامّة، السّلام على الأرض-Pacem in terris (11 نيسان/أبريل 1963)، 87: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 55 (1963)، 301.

[29] راجع المجمع المسكونيّ الفاتيكانيّ الثّاني، دستور رعائي في الكنيسة في عالم اليوم، فرح ورجاء، 26: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 58 (1966)، 1046-1047.

[30] راجع المؤلّف نفسه، بيان في الحرّيّة الدّينيّة، 2: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 58 (1966)، 930-931.

[31] راجع القدّيس بولس السّادس، الرّسالة البابويّة العامّة، تقدُّم الشّعوب-Populorum Progressio (26 آذار/مارس 1967)، 14: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 59 (1967)، 264.

[32] المرجع نفسه، 87: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 59 (1967)، 299.

[33] راجع المؤلّف نفسه، الرّسالة البابويّة، الذّكرى الثّمانون-Octogesima adveniens (14 أيّار/مايو 1971)، 4-7: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 63 (1971)، 404-406.

[34] القدّيس يوحنّا بولس الثّاني، الرّسالة البابويّة العامّة، الاهتمام بالشّؤون الاجتماعيّة-Sollicitudo rei socialis (30 كانون الأوّل/ديسمبر 1987)، 36: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 80 (1988)، 561.

[35] راجع المؤلّف نفسه، الرّسالة البابويّة العامّة، العمل الإنسانيّ-Laborem exercens (14 أيلول/سبتمبر 1981)، 19: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 73 (1981) 625-629.

[36] راجع المرجع نفسه، 10: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 73 (1981) 600-602.

[37] راجع المؤلّف نفسه، الرّسالة البابويّة العامّة، الاهتمام بالشّؤون الاجتماعيّة- Sollicitudo rei socialis(30 كانون الأوّل/ديسمبر 1987)، 14: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 80 (1988)، 526-528.

[38] راجع المرجع نفسه، 16: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 80 (1988)، 531.

[39] راجع المرجع نفسه، 31-33: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 80 (1988)، 555-559.

[40] راجع المؤلّف نفسه، الرّسالة البابويّة العامّة، السّنة المئة-Centesimus annus (1 أيّار/مايو 1991)، 46: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 83 (1991)، 850-851.

[41] راجع المرجع نفسه: 42: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 83 (1991)، 845-846.

[42] بندكتس السّادس عشر، الرّسالة البابويّة العامّة، المحبّة في الحقيقة-Caritas in veritate (29 حزيران/يونيو 2009)، 21: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 101 (2009)، 656.

[43] راجع المرجع نفسه، 22: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 101 (2009)، 657.

[44] راجع المرجع نفسه، 24: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 101 (2009)، 658-659.

[45] راجع المرجع نفسه، 36: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 101 (2009)، 671-672.

[46] المرجع نفسه، 2: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 101 (2009)، 642.

[47] راجع فرنسيس، الإرشاد الرّسولي، فرح الإنجيل (24 تشرين الثّاني/نوفمبر 2013)، 198: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 105 (2013)، 1103.

[48] المؤلّف نفسه، الرّسالة البابويّة العامّة، كُنْ مُسَبَّحًا (24 أيّار/مايو 2015)، 49: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 107 (2015)، 866.

[49] المؤلّف نفسه، الرّسالة البابويّة العامّة، كلّنا إخوة (3 تشرين الأوّل/أكتوبر 2020)، 127: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 112 (2020)، 1013.

[50] المؤلّف نفسه، الرّسالة البابويّة العامّة، لقد أحبّنا (24 تشرين الأوّل/أكتوبر 2024)، 167: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 116 (2024)، 1421.

[51] راجع المجلس البابويّ للعدل والسّلام، خُلاصة تعليم الكنيسة الاجتماعيّ، حاضرة الفاتيكان 2004، 32.

[52] المجمع المسكونيّ الفاتيكانيّ الثّاني، دستور رعائي في الكنيسة في عالم اليوم، فرح ورجاء، 24: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 58 (1966)، 1045.

[53] المرجع نفسه، 22: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 58 (1966)، 1042.

[54] راجع المجلس البابويّ للعدل والسّلام، خُلاصة تعليم الكنيسة الاجتماعيّ، 38.

[55] القدّيس يوحنّا بولس الثّاني، الرّسالة البابويّة العامّة، فادي الإنسان- Redemptor hominis (4 آذار/مارس 1979)، 14: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 71 (1979)، 284.

[56] راجع بندكتس السّادس عشر، الرّسالة البابويّة العامّة، المحبّة في الحقيقة-Caritas in veritate (29 حزيران/يونيو 2009)، 11: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 101 (2009)، 647-648.

[57] القدّيس يوحنّا بولس الثّاني، الرّسالة البابويّة العامّة، بهاء الحقيقة-Veritatis splendor (6 آب/أغسطس 1993)، 31: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 85 (1993)، 1159.

[58] راجع المجمع المسكونيّ الفاتيكانيّ الثّاني، دستور رعائي في الكنيسة في عالم اليوم، فرح ورجاء، 26: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 58 (1966)، 1046-1047.

[59] راجع القدّيس يوحنّا بولس الثّاني، الرّسالة البابويّة العامّة، السّنة المئة-Centesimus annus (1 أيّار/مايو 1991)، 11: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 83 (1991)، 806-807.

[60] راجع دائرة عقيدة الإيمان، إعلان  الكرامة التي لا حدّ لها (2 نيسان/أبريل 2024)، 7: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 116 (2024)، 592-593.

[61] راجع المرجع نفسه، 8: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 116 (2024)، 593-594.

[62] المرجع نفسه، 1: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 116 (2024)، 589-590.

[63] راجع القدّيس يوحنّا بولس الثّاني، صلاة الملاك مع ذوي الاحتياجات الخاصّة في كاتدرائيّة أوسنابروك (16 تشرين الثّاني/نوفمبر 1980): تعليم يوحنّا بولس الثّاني، المجلّد الثّالث/2، حاضرة الفاتيكان 1980، 1232.

[64] المجلس البابويّ للعدل والسّلام، خُلاصة تعليم الكنيسة الاجتماعيّ، 152.

[65] راجع القدّيس يوحنّا بولس الثّاني، كلمة أمام الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة في دورتها الخمسين (5 تشرين الأوّل/أكتوبر 1995)، 2: تعليم يوحنّا بولس الثّاني، المجلّد الثّامن عشر/2، حاضرة الفاتيكان 1998، 731.

[66] المؤلّف نفسه، كلمة أمام الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة في دورتها الرّابعة والثّلاثين (2 تشرين الأوّل/أكتوبر 1979)، 7: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 71 (1979)، 1148.

[67] المؤلّف نفسه، رسالة في اليوم العالميّ الثّاني والثّلاثين للسّلام (1 كانون الثّاني/يناير 1999)، 3: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 91 (1999)، 379.

[68] راجع القدّيس يوحنّا الثّالث والعشرون، الرّسالة البابويّة العامّة، السّلام على الأرض-Pacem in terris (11 نيسان/أبريل 1963)، 5: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 55 (1963)، 259.

[69] القدّيس بولس السّادس، رسالة إلى المؤتمر الدّوليّ لحقوق الإنسان (15 نيسان/أبريل 1968): أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 60 (1968)، 285.

[70] راجع القدّيس يوحنّا بولس الثّاني، الرّسالة البابويّة العامّة، إنجيل الحياة-Evangelium vitae (25 آذار/مارس 1995)، 2: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 87 (1995)، 402.

[71] راجع المجمع المسكونيّ الفاتيكانيّ الثّاني، دستور رعائي في الكنيسة في عالم اليوم، فرح ورجاء، 27: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 58 (1966)، 1047-1048؛ القدّيس يوحنّا بولس الثّاني، الرّسالة البابويّة العامّة، بهاء الحقيقة-Veritatis splendor (6 آب/أغسطس 1993)، 80: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 85 (1993)، 1197-1198؛ المؤلّف نفسه، الرّسالة البابويّة العامّة، إنجيل الحياة-Evangelium vitae (25 آذار/مارس 1995)، 7-28: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 87 (1995)، 408-427.

[72] فرنسيس، الرّسالة البابويّة العامّة، كلّنا إخوة (3 تشرين الأوّل/أكتوبر 2020)، 208: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 112 (2020)، 1043.

[73] راجع المرجع نفسه، 209: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 112 (2020)، 1043-1044.

[74] المرجع نفسه، 23: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 112 (2020)، 977. راجع المؤلّف نفسه، الإرشاد الرّسولي، فرح الإنجيل (24 تشرين الثّاني/نوفمبر 2013)، 212: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 105 (2013)، 1108.

[75] بندكتس السّادس عشر، الإرشاد الرّسوليّ بعد السّينودس، سرّ المحبّة- Sacramentum caritatis (22 شباط/فبراير 2007)، 83: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 99 (2007)، 169.

[76] المجمع المسكونيّ الفاتيكانيّ الثّاني، دستور رعائي في الكنيسة في عالم اليوم، فرح ورجاء، 26: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 58 (1966)، 1046-1047.

[77] راجع المجلس البابويّ للعدل والسّلام، خُلاصة تعليم الكنيسة الاجتماعي، 164.

[78] فرنسيس، الإرشاد الرّسولي، فرح الإنجيل (24 تشرين الثّاني/نوفمبر 2013)، 235: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 105 (2013)، 1115.

[79] المؤلّف نفسه، الرّسالة البابويّة العامّة، كلّنا إخوة (3 تشرين الأوّل/أكتوبر 2020)، 105: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 112 (2020)، 1005.

[80] القدّيس يوحنّا بولس الثّاني، الرّسالة البابويّة العامّة، الاهتمام بالشّؤون الاجتماعيّة- Sollicitudo rei socialis (30 كانون الأوّل/ديسمبر 1987)، 38: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 80 (1988)، 564.

[81] فرنسيس، الإرشاد الرّسولي، فرح الإنجيل (24 تشرين الثّاني/نوفمبر 2013)، 220: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 105 (2013)، 1110.

[82] المجلس البابويّ للعدل والسّلام، خُلاصة تعليم الكنيسة الاجتماعيّ، 169.

[83] فرنسيس، الرّسالة البابويّة العامّة، كلّنا إخوة (3 تشرين الأوّل/أكتوبر 2020)، 16: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 112 (2020)، 974.

[84] راجع القدّيس يوحنّا بولس الثّاني، كلمة أمام الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة في دورتها الخمسين (5 تشرين الأوّل/أكتوبر 1995)، 8: تعاليم يوحنّا بولس الثّاني، المجلّد الثّامن عشر/2، 735.

[85] المجلس البابويّ للعدل والسّلام، خُلاصة تعليم الكنيسة الاجتماعيّ، 171.

[86] القدّيس يوحنّا بولس الثّاني، الرّسالة البابويّة العامّة، السّنة المئة-Centesimus annus (1 أيّار/مايو 1991)، 31: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 83 (1991)، 831.

[87] المؤلّف نفسه، عظة في القدّاس الإلهيّ للمُزارعين في مدينة ريسفي (Recife) (7 تمّوز/يوليو 1980)، 4: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 72 (1980)، 926.

[88] المؤلّف نفسه، الرّسالة البابويّة العامّة، العمل الإنسانيّ- Laborem exercens (14 أيلول/سبتمبر 1981)، 19: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 73 (1981)، 626.

[89] فرنسيس، الرّسالة البابويّة العامّة، كُنْ مُسَبَّحًا (24 أيّار/مايو 2015)، 93: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 107 (2015)، 884؛ راجع المؤلّف نفسه، الرّسالة البابويّة العامّة، كلّنا إخوة (3 تشرين الأوّل/أكتوبر 2020)، 120: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 112 (2020)، 1010.

[90] المؤلّف نفسه، الإرشاد الرّسولي، فرح الإنجيل (24 تشرين الثّاني/نوفمبر 2013)، 189: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 105 (2013)، 1099.

[91] راجع المجلس البابويّ للعدل والسّلام، خُلاصة تعليم الكنيسة الاجتماعيّ، 187.

[92] راجع لاوُن الثّالث عشر، الرّسالة العامّة، الشّؤون الجديدة-Rerum novarum (15 أيّار/مايو 1891)، 26: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 23 (1890-1891)، 656.

[93] راجع القدّيس يوحنّا بولس الثّاني، الرّسالة البابويّة العامّة، السّنة المئة-Centesimus annus (1 أيّار/مايو 1991)، 11: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 83 (1991)، 806-807.

[94] راجع المرجع نفسه.

[95] راجع المرجع نفسه، 48: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 83 (1991)، 852-854.

[96] راجع فرنسيس، الرّسالة البابويّة العامّة، كلّنا إخوة (3 تشرين الأوّل/أكتوبر 2020)، 169: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 112 (2020)، 1028.

[97] راجع المرجع نفسه، 168: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 112 (2020)، 1027-1028.

[98] راجع القدّيس بولس السّادس، الرّسالة البابويّة العامّة، تقدُّم الشّعوب-Populorum Progressio (26 آذار/مارس 1967)، 17: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 59 (1967)، 265-266.

[99] فرنسيس، الرّسالة البابويّة العامّة، كلّنا إخوة (3 تشرين الأوّل/أكتوبر 2020)، 32 و 54: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 112 (2020)، 980  و 988.

[100] راجع بندكتس السّادس عشر، الرّسالة العامّة، المحبّة في الحقيقة-Caritas in veritate (29 حزيران/يونيو 2009)، 58: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 101 (2009)، 693-694.

[101] فرنسيس، الرّسالة البابويّة العامّة، كلّنا إخوة (3 تشرين الأوّل/أكتوبر 2020)، 116: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 112 (2020)، 1009.

[102] القدّيس يوحنّا بولس الثّاني، الرّسالة البابويّة العامّة، الاهتمام بالشّؤون الاجتماعيّة-Sollicitudo rei socialis (30 كانون الأوّل/ديسمبر 1987)، 38: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 80 (1988)، 564.

[103] فرنسيس، الرّسالة البابويّة العامّة، كلّنا إخوة (3 تشرين الأوّل/أكتوبر 2020)، 116: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 112 (2020)، 1009.

[104] راجع بندكتس السّادس عشر، الرّسالة العامّة، المحبّة في الحقيقة-Caritas in veritate (29 حزيران/يونيو 2009)، 48: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 101 (2009)، 658.

[105] راجع المجمع المسكونيّ الفاتيكانيّ الثّاني، دستور رعائي في الكنيسة في عالم اليوم، فرح ورجاء، 25: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 58 (1966)، 1045-1046.

[106] راجع القدّيس يوحنّا بولس الثّاني، الرّسالة البابويّة العامّة، الاهتمام بالشّؤون الاجتماعيّة-Sollicitudo rei socialis (30 كانون الأوّل/ديسمبر 1987)، 42: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 80 (1988)، 572-574.

[107] فرنسيس، الإرشاد الرّسولي، فرح الإنجيل (24 تشرين الثّاني/نوفمبر 2013)، 53: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 105 (2013)، 1042.

[108] راجع القدّيس يوحنّا بولس الثّاني، الرّسالة البابويّة العامّة، الاهتمام بالشّؤون الاجتماعيّة-Sollicitudo rei socialis (30 كانون الأوّل/ديسمبر 1987)، 36-37: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 80 (1988)، 561-564.

[109] فرنسيس، رسالة في مناسبة اليوم العالمي المائة والعاشر للمهاجرين واللاجئين (29 أيلول/سبتمبر 2024): أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 116 (2024)، 735.

[110] القدّيس بولس السّادس، الرّسالة البابويّة العامّة، تقدُّم الشّعوب-Populorum Progressio (26 آذار/مارس 1967)، 14: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 59 (1967)، 264.

[111] راجع المرجع نفسه، 17: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 59 (1967)، 265-266؛ فرنسيس، الرّسالة البابويّة العامّة، كلّنا إخوة (3 تشرين الأوّل/أكتوبر 2020)، 125-127: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 112 (2020)، 1012-1013.

[112] راجع القدّيس بولس السّادس، الرّسالة البابويّة العامّة، تقدُّم الشّعوب-Populorum Progressio (26 آذار/مارس 1967)، 14: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 59 (1967)، 264؛ بندكتس السّادس عشر، كلمة إلى الدّبلوماسيّين المُعتَمدين لدى الكرسيّ الرّسوليّ (8 كانون الثّاني/يناير 2007): أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 99 (2007)، 73؛ فرنسيس، كلمة إلى ممثّلي الشّعوب الأصليّة في مناسبة الدّورة الأربعين لمجلس محافظي الصّندوق الدّولي للتّنمية الزّراعيّة (15 شباط/فبراير 2017): أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 109 (2017)، 244-245.

[113] الوثيقة الختاميّة للدورة الثّانية للجمعيّة العامّة العاديّة السّادسة عشرة لمجمع الأساقفة (26 تشرين الأوّل/أكتوبر 2024)، 17.

[114] راجع المرجع نفسه، 11.

[115] راجع المرجع نفسه، 103-108.

[116] راجع المرجع نفسه، 100-101.

[117] راجع فرنسيس، الرّسالة البابويّة العامّة، كلّنا إخوة (3 تشرين الأوّل/أكتوبر 2020)، 94: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 112 (2020)، 1001.

[118] راجع المجلس البابويّ للعدل والسّلام، خُلاصة تعليم الكنيسة الاجتماعيّ، 53.

[119] راجع فرنسيس، الرّسالة البابويّة العامّة، كُنْ مُسَبَّحًا (24 أيّار/مايو 2015)، 106-109: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 107 (2015)، 889-891.

[120] رومانو جوارديني، Das Ende der Neuzeit، فورتسبورغ 1951، 89.

[121] القدّيس بولس السّادس، كلمة في مناسبة الذّكرى الخامسة والعشرين لمنظّمة الأغذية والزّراعة FAO (16 تشرين الثّاني/نوفمبر 1970): أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 62 (1970)، 833.

[122] راجع فرنسيس، كلمة أمام مجلس من أجل رأسماليّة شاملة (11 تشرين الثّاني/نوفمبر 2019): L’Osservatore Romano، 11-12 تشرين الثّاني/نوفمبر2019، 8.

[123] راجع دائرة عقيدة الإيمان – دائرة الثّقافة والتّربية، المذكّرة: القديم والجديد (14 كانون الثّاني/يناير 2025): أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 117 (2025)، 159-210؛ فرنسيس، رسالة في اليوم العالميّ السّابع والخمسين للسّلام (8 كانون الأوّل/ديسمبر 2023): أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 116 (2024)، 54-64؛ المؤلّف نفسه، رسالة في اليوم العالميّ الثّامن والخمسين لوسائل التّواصل الاجتماعيّة (24 كانون الثّاني/يناير 2024): أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 116 (2024)، 261-266؛ المؤلّف نفسه، كلمة إلى مجموعة الدّول الصّناعيّة السّبع في الذّكاء الاصطناعيّ. ”أداة جذّابة وبليغة“ (14 حزيران/يونيو 2024): أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 116 (2024)، 866-875؛ اللجنة اللاهوتيّة الدّوليّة، إلى أين أنتم ذاهبون، أيّها البشر؟ التّفكير في الأنثروبولوجيّا المسيحيّة أمام بعض المشاهد حول مستقبل الإنسان (9 شباط/فبراير 2026)؛ رسالة في اليوم العالميّ السّتين لوسائل التّواصل الاجتماعيّة (24 كانون الثّاني/يناير 2026): L’Osservatore Romano، 24 كانون الثّاني/يناير2026، 2-3.

[124] راجع دائرة عقيدة الإيمان – دائرة الثّقافة والتّربية، المذكّرة: القديم والجديد (14 كانون الثّاني/يناير 2025)، 96: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 117 (2025)، 201.

[125] فرنسيس، كلمة إلى المشاركين في لقاء حوارات مينرڤا برعاية دائرة الثّقافة والتّربية (27 آذار/مارس 2023): أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 115 (2023)، 465.

[126] راجع دائرة عقيدة الإيمان – دائرة الثّقافة والتّربية، المذكّرة: القديم والجديد (14 كانون الثّاني/يناير 2025)، 41: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 117 (2025)، 178.

[127] راجع المرجع نفسه، 44-45: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 117 (2025)، 179-180.

[128] راجع القدّيس يوحنّا بولس الثّاني، الرّسالة البابويّة العامّة، السّنة المئة-Centesimus annus (1 أيّار/مايو 1991)، 40: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 83 (1991)، 843.

[129] راجع اللجنة اللاهوتيّة الدّوليّة، إلى أين أنتم ذاهبون، أيّها البشر؟ التّفكير في الأنثروبولوجيّا المسيحيّة أمام بعض المشاهد حول مستقبل الإنسان (9 شباط/فبراير 2026)، 63.

[130] راجع القدّيس بولس السّادس، كلمة في مناسبة الذّكرى الخامسة والعشرين لمنظّمة الأغذية والزّراعة FAO (16 تشرين الثّاني/نوفمبر 1970): أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 62 (1970)، 833.

[131] اللجنة اللاهوتيّة الدّوليّة، إلى أين أنتم ذاهبون، أيّها البشر؟ التّفكير في الأنثروبولوجيّا المسيحيّة أمام بعض المشاهد حول مستقبل الإنسان (9 شباط/فبراير 2026)، 3.

[132] "إن لم نجعل قيمة للقلب، فلا قيمة للكلام على القلب، ولا لعمل يصدر عن القلب، ولا لتنضيج القلب أو العناية به. عندما لا نقدِّر خصوصيّات القلب، الإجابات التي لا يستطيع العقل وحده أن يقدِّمها تفقد معناها، ويفقد اللقاء مع الآخرين قيمته، ويُفقَد الشِّعر. ونفقد التّاريخ وقصصنا، لأنّ المغامرة الشّخصيّة الحقيقيّة هي التي تُبنى بالقلب. وفي النّهاية، هو الأمر الوحيد المــُهِمّ": فرنسيس، الرّسالة البابويّة العامّة، لقد أحبّنا (24 تشرين الأوّل/أكتوبر 2024)، 11: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 116 (2024)، 1372.

[133] فيكتور فرانكل، بحث الإنسان عن المعنى، مقدّمة في العلاج بالكلام، بوسطن 1963، 213.

[134] القدّيس توما الأكوينيّ، الخلاصة اللاهوتيّة، الجزء الأوّل من القسم الثّاني، المسألة 112، 1، تعليق؛ المسألة 114، 5، تعليق: طبعة ليونينا-Leonina، 7، روما 1892، 323 و 349.

[135] راجع المرجع نفسه، المسألة 114، 1، تعليق: طبعة ليونينا-Leonina، 7، 344.

[136] راجع المؤلّف نفسه، شرح كتاب بيتيوم عن الثّالوث، المسألة 1، 2، 3: طبعة ليونينا-Leonina، 50، روما 1992، 96؛ الخلاصة اللاهوتيّة، الجزء الأوّل، المسألة 7، 1، 3: طبعة ليونينا-Leonina، 4، روما 1888، 72.

[137] فرنسيس، الإرشاد الرّسوليّ، فرح الإنجيل (24 تشرين الثّاني/نوفمبر 2013)، 8: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 105 (2013)، 1022.

[138] القدّيس يوحنّا بولس الثّاني، الرّسالة البابويّة العامّة، فادي الإنسان- Redemptor hominis (4 آذار/مارس 1979)، 15: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 71 (1979)، 286-287.

[139] القدّيس أَغُسطِينُس، في مدينة الله، المجلّد الرّابع عشر، 28: مجموعة المؤلّفين المسيحيّين السّلسلة اللاتينيّة 48، ترنهوت 1955، 451.

[140] بندكتس السّادس عشر، الرّسالة البابويّة العامّة، المحبّة في الحقيقة-Caritas in veritate (29 حزيران/يونيو 2009)، 34: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 101 (2009)، 668-669.

[141] القدّيس يوحنّا بولس الثّاني، الرّسالة البابويّة العامّة، بهاء الحقيقة-Veritatis splendor (6 آب/أغسطس 1993)، 32: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 85 (1993)، 1159.

[142] فرنسيس، الرّسالة البابويّة العامّة، كلّنا إخوة (3 تشرين الأوّل/أكتوبر 2020)، 207: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 112 (2020)، 1043.

[143] حنَّة أريندت، أصول الشّموليّة، الجزء الثّالث، نيويورك 1962، 474.

[144] كلمة إلى العاملين في وسائل التّواصل والإعلام (12 أيّار/مايو 2025): أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 117 (2025)، 681-682.

[145] بندكتس السّادس عشر، رسالة في اليوم العالميّ السّابع والأربعين لوسائل التّواصل الاجتماعيّة (24 كانون الثّاني/يناير 2013): أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 105 (2013)، 183.

[146] فرنسيس، كلمة في مناسبة منح وسام بيوس التّاسع للسّيّد فيليب بولّيلّا والسّيّدة فالنتينا الأزرقي (13 تشرين الثّاني/نوفمبر 2021): L’Osservatore Romano، 13 تشرين الثّاني/نوفمبر2021، 12.

[147] راجع أفلاطون، الرّسالة السّابعة، 344: طبعة سويليه (Souilhé)، 13/1، باريس 1931 ( مجموعة الجامعات الفرنسيّة، السّلسلة اليونانيّة 63)، 54.

[148] راجع كلمة إلى المشاركين في مؤتمر ”كرامة الأطفال والمراهقين في عصر الذّكاء الاصطناعيّ“ (13 تشرين الثّاني/نوفمبر 2025): L’Osservatore Romano، 13 تشرين الثّاني/نوفمبر2025، 3.

[149] راجع كلمة إلى أعضاء المجلس الاستشاريّ لأكاديميّة RCS (7 تشرين الثّاني/نوفمبر 2025): L’Osservatore Romano، 7 تشرين الثّاني/نوفمبر2025، 4.

[150] القدّيس يوحنّا بولس الثّاني، الرّسالة البابويّة العامّة، العمل الإنسانيّ-Laborem exercens (14 أيلول/سبتمبر 1981)، 3: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 73 (1981)، 584.

[151] راجع فرنسيس، الرّسالة البابويّة العامّة، كُنْ مُسَبَّحًا (24 أيّار/مايو 2015)، 128: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 107 (2015)، 898.

[152] دائرة عقيدة الإيمان – دائرة الثّقافة والتّربية، المذكّرة: القديم والجديد (14 كانون الثّاني/يناير 2025)، 67: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 117 (2025)، 188-189.

[153] راجع القدّيس يوحنّا بولس الثّاني، الرّسالة البابويّة العامّة، العمل الإنسانيّ-Laborem exercens (14 أيلول/سبتمبر 1981)، 18: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 73 (1981)، 622-625.

[154] راجع فرنسيس، الرّسالة البابويّة العامّة، كُنْ مُسَبَّحًا (24 أيّار/مايو 2015)، 109: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 107 (2015)، 891.

[155] راجع بندكتس السّادس عشر، الرّسالة البابويّة العامّة، المحبّة في الحقيقة-Caritas in veritate (29 حزيران/يونيو 2009)، 32: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 101 (2009)، 666.

[156] راجع المجلس البابويّ للعدل والسّلام، خُلاصة تعليم الكنيسة الاجتماعيّ، 268.

[157] راجع بندكتس السّادس عشر، الرّسالة البابويّة العامّة، المحبّة في الحقيقة-Caritas in veritate (29 حزيران/يونيو 2009)، 64: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 101 (2009)، 698.

[158] راجع فرنسيس، الرّسالة البابويّة العامّة، كُنْ مُسَبَّحًا (24 أيّار/مايو 2015)، 129: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 107 (2015)، 899.

[159] راجع المرجع نفسه.

[160] راجع المؤلّف نفسه، الرّسالة البابويّة العامّة، كلّنا إخوة (3 تشرين الأوّل/أكتوبر 2020)، 108: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 112 (2020)، 1006.

[161] راجع دائرة عقيدة الإيمان - دائرة خدمة التّنمية البشريّة المتكاملة، المسائل الاقتصاديّة والماليّة. ملاحظات من أجل التّمييز الأخلاقيّ بشأن بعض جوانب النّظام الاقتصاديّ والماليّ الحاليّ (6 كانون الثّاني/يناير 2018)، 6: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 110 (2018)، 772.

[162] فرنسيس، تحيّة إلى موظّفي الصّندوق الدّوليّ للتنمية الزّراعيّة (IFAD) (14 شباط/فبراير 2019): أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 111 (2019)، 309. راجع بندكتس السّادس عشر، الرّسالة البابويّة العامّة، المحبّة في الحقيقة-Caritas in veritate (29 حزيران/يونيو 2009)، 22: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 101 (2009)، 657.

[163] راجع المرجع نفسه، 36: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 101 (2009)، 671-672.

[164] راجع فرنسيس، الإرشاد الرّسوليّ، فرح الإنجيل (24 تشرين الثّاني/نوفمبر 2013)، 204: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 105 (2013)، 1105-1106.

[165] راجع القدّيس بولس السّادس، الرّسالة البابويّة العامّة، تقدُّم الشّعوب-Populorum progressio (26 آذار/مارس 1967)، 87: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 59 (1967)، 299.

[166] راجع القدّيس يوحنّا بولس الثّاني، الرّسالة البابويّة العامّة، السّنة المئة-Centesimus annus (1 أيّار/مايو 1991)، 39: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 83 (1991)، 841.

[167] راجع المجلس البابويّ للعدل والسّلام، خُلاصة تعليم الكنيسة الاجتماعيّ، 211.

[168] راجع القدّيس يوحنّا بولس الثّاني، الرّسالة البابويّة، شكرًا جزيلًا-Gratissimam sane (2 شباط/فبراير 1994)، 17: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 86 (1994)، 903-906.

[169] راجع مجلس الأساقفة الكاثوليك في الولايات المتّحدة، أبناء وبنات النّور. خطّة رعويّة للخدمة الرّعويّة مع الشّباب البالغين (12 تشرين الثّاني/نوفمبر 1996)، واشنطن العاصمة 1996، 1، 3.

[170] راجع المجلس البابويّ للعدل والسّلام، خُلاصة تعليم الكنيسة الاجتماعيّ، 290.

[171] راجع المرجع نفسه، 214.

[172] راجع فرنسيس، رسالة في اليوم العالميّ الثّامن والأربعين للسّلام (8 كانون الأوّل/ديسمبر 2014)، 4: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 107 (2015)، 70-71.

[173] راجع اللجنة اللاهوتيّة الدّوليّة، الذّاكرة والمصالحة: الكنيسة وذنوب الماضي، حاضرة الفاتيكان 2000، 5. 3.

[174] كما في المرسومَين Sicut dudum (13 كانون الثّاني/يناير 1435) و Etsi suscepti (9 كانون الثّاني/يناير 1442) للبابا أوجانيوس الرّابع وفي المرسومَين Dum diversas (18 حزيران/يونيو 1452) و Romanus Pontifex (8 كانون الثّاني/يناير 1455) للبابا نقولا الخامس. طغت الضّغوط السّياسيّة، وأحيانًا الاقتصاديّة أيضًا، على المتطلّبات الإنجيليّة. وهكذا، غالبًا تمّ تشويه البشارة بالإنجيل وإساءة فهمها وفقًا لتدخّل السُّلطات الزّمنيّة، ما قلّل من التّناقض بين العبوديّة والضّمير المسيحيّ.

[175] راجع لاوُن الثّالث عشر، الرّسالة البابويّة العامّة، في حالات كثيرة- In plurimis (5 أيّار/مايو 1888): أعمال لاوُن الثّالث عشر، 8، روما 1889، 169-192. تجد الإشارة إلى أنّه حتّى سنة 1866، كانت محكمة التّفتيش تميّز بين الجوانب اللاأخلاقيّة والأخلاقيّة للعبوديّة، بدون أن تحكم عليها بشكل كامل: روما، أرشيف دائرة عقيدة الإيمان، رقم 1293: تعليمات محكمة التفتيش بشأن شكوك مختلفة من المطران ماسّايا، النّائب الرّسولي في بلاد الغالا (Galla)، نيسان/أبريل 1866، جواب على السّؤال رقم 15.

[176] راجع القدّيس يوحنّا بولس الثاني، المرسوم سرّ التجسّد-Incarnationis mysterium (29 تشرين الثّاني/نوفمبر 1998)، 11: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 91 (1999)، 139-141.

[177] راجع القدّيس بولس السّادس، افرحي يا ملكة السّماء (17 أيّار/مايو 1970): تعاليم بولس السّادس، المجلّد الثّامن، حاضرة الفاتيكان 1971، 506.

[178] راجع فرنسيس، الرّسالة البابويّة العامّة، كلّنا إخوة (3 تشرين الأوّل/أكتوبر 2020)، 183: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 112 (2020)، 1033-1034.

[179] راجع المجمع المسكونيّ الفاتيكانيّ الثّاني، دستور رعائي في الكنيسة في عالم اليوم، فرح ورجاء، 26: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 58 (1966)، 1046-1047.

[180] القدّيس بولس السّادس، كلمة أمام الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة في دورتها العشرين (4 تشرين الأوّل/أكتوبر 1965): أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 57 (1965)، 881.

[181] منظّمة الأمم المتّحدة، ميثاق الأمم المتّحدة (26 حزيران/يونيو 1945)، تمهيد.

[182] راجع فرنسيس، الرّسالة البابويّة العامّة، كلّنا إخوة (3 تشرين الأوّل/أكتوبر 2020)، 258: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 112 (2020)، 1061: "فجميع الحروب في الواقع، في العقود الماضية، كان لها ”تبريرها“ المزعوم. يتحدّث التّعليم المسيحيّ للكنيسة الكاثوليكيّة عن إمكانيّة الدّفاع المشروع بالقوّة العسكريّة، والتي تتضمّن إثبات وجود بعض ”الشّروط الصّارمة للشرعيّة الخُلُقيّة“. لكنّنا نقع بسهولة في تفسير واسع جدًّا لهذا الحقّ المحتمل. هذه هي الطّريقة التي يريدون بها تبرير الهجمات ”الوقائيّة“ أو الأعمال العسكريّة التي تكاد لا تنطوي على ”شرور واضطرابات أخطر من الشّرّ الذي يجب دفعه“"؛ راجع التّعليم المسيحيّ للكنيسة الكاثوليكيّة، 2309.

[183] راجع دائرة عقيدة الإيمان – دائرة الثّقافة والتّربية، المذكّرة: القديم والجديد (14 كانون الثّاني/يناير 2025)، 99: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 117 (2025)، 202-203.

[184] راجع المرجع نفسه، 103: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 117 (2025)، 204.

[185] راجع مقابلة مع المشاركين في تَجَمُّع المؤسّسات لمساعدة الكنائس الشّرقيّة (ROACO) (26 حزيران/يونيو 2025): أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 117 (2025)، 847-849.

[186] راجع فرانسيس، رسالة في اليوم العالميّ الثّالث الخمسين للسّلام (8 كانون الأوّل/ديسمبر 2019): أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 112 (2020)، 54-61.

[187] جون رونالد ريويل تولكين (John Ronald Reuel Tolkien)، سيّد الخواتم، الجزء الثّالث: عودة الملك، نيويورك 1965، 190.

[188] كلمة إلى العاملين في وسائل التّواصل والإعلام (12 أيّار/مايو 2025): أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 117 (2025)، 682.

[189] المرجع نفسه.

[190] القدّيس يوحنّا بولس الثّاني، رسالة في اليوم العالميّ الواحد والثّلاثين للسَّلام (1 كانون الثّاني/يناير 1998)، 1: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 90 (1998)، 147.

[191] القدّيس أغسطينس، شروحات في سفر المزامير، 84، 12: مجموعة المؤلّفين المسيحيّين السّلسلة اللاتينيّة 39، 1172-1173.

[192] راجع فرنسيس، الرّسالة البابويّة العامّة، لقد أحبّنا (24 تشرين الأوّل/أكتوبر 2024)، 22: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 116 (2024)، 1375-1376.

[193] راجع المؤلّف نفسه، الرّسالة البابويّة العامّة، كلّنا إخوة (3 تشرين الأوّل/أكتوبر 2020)، 215: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 112 (2020)، 1008.

[194] راجع المرجع نفسه، 261: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 112 (2020)، 1062.

[195] راجع القدّيس بولس السّادس، كلمة أمام الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة في دورتها العشرين (4 تشرين الأوّل/أكتوبر 1965): أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 57 (1965)، 878-879.

[196] راجع بيوس الثّاني عشر، رسالة إذاعيّة، ساعة خطيرة (24 آب/أغسطس 1939): أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 31 (1939)، 334.

[197] جيورجيو لابيرا (Giorgio La Pira)، تأمّلات في المجمع. كلمة رئيس بلديّة فلورنسا البروفيسور جيورجيو لابيرا إلى "مرشدات فرنسا" (روما، 4 أيلول/سبتمبر 1962)، فلورنسا 1962، 6.

[198] كلمة إلى المشاركين في يوبيل الكنائس الشّرقيّة (14 أيّار/مايو 2025): أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 117 (2025)، 686.

[199] راجع فرنسيس، الرّسالة البابويّة العامّة، كلّنا إخوة (3 تشرين الأوّل/أكتوبر 2020)، 271: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 112 (2020)، 1066.

[200] راجع المؤلّف نفسه، نداء سلام في أسيزي في اليوم العالميّ للصّلاة من أجل السّلام، ”العطش إلى السّلام. الأديان والثّقافات في حوار“ (20 أيلول/سبتمبر 2016): أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 108 (2016)، 1124.

[201] المؤلّف نفسه، كلمة إلى الدّبلوماسيّين المُعتَمدين لدى الكرسيّ الرّسوليّ (9 كانون الثّاني/يناير 2025): أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 117 (2025)، 110.

[202] راجع المؤلّف نفسه، كلمة إلى المشاركين في الدّورة الثاّمنة والثّلاثين لمؤتمر منظّمة الأغذية والزّراعة FAO (20 حزيران/يونيو 2013) : أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 105 (2013)، 616-617.

[203] أوّل بركة لمدينة روما وللعالم (8 أيّار/مايو 2025): أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 117 (2025)، 660.

[204] المرجع نفسه.

[205] راجع عظة في صلاة الغروب الأولى في عيد سيّدتنا مريم الكلّيّة القداسة، أمّ الله (31 كانون الأوّل/ديسمبر 2025): L’Osservatore Romano، 2 كانون الثّاني/يناير 2026، 1-2.

[206] راجع عظة في يوم عيد الميلاد المجيد (25 كانون الأوّل/ديسمبر 2025): L’Osservatore Romano، 27 كانون الأوّل/ديسمبر 2025، 3.

[207] راجع المرجع نفسه.

[208] راجع صلاة الملاك في عيد ظهور الرّبّ يسوع (6 كانون الثّاني/يناير 2026): L’Osservatore Romano، 7 كانون الثّاني/يناير 2026، 3.

[209] راجع عظة في ليلة عيد الميلاد المجيد (25 كانون الأوّل/ديسمبر 2025): L’Osservatore Romano، 27 كانون الأوّل/ديسمبر 2025، 2.

[210] بيير دي بيرول (Pierre de Bérulle)، كلمة في حالة وعظمة يسوع، الكلمة الرّابعة، وَحدة الله في التّجسّد: الأعمال الكاملة، باريس 1856، 218.

[211] المرجع نفسه.

[212] راجع كلمة في مؤتمر ”الذّكاء الاصطناعيّ ورعاية بيتنا المشترك“ (5 كانون الأوّل/ديسمبر 2025): L’Osservatore Romano، كانون الأوّل/ديسمبر 2025، 2.

[213] بندكتس السّادس عشر، الرّسالة البابويّة العامّة، الله محبّة–Deus caritas est (25 كانون الأوّل/ديسمبر 2005)، 14: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 98 (2006)، 228.

[214] القدّيس أَغُسطِينُس، عظات، 272: في يوم عيد العنصرة، الكلام مع الأطفال على سرّ القربان الأقدس، مجموعة المؤلّفات لآباء الكنيسة اللاتينيّة، 38، باريس 1865، 1247.

[215] بندكتس السّادس عشر، عظة في قدّاس عشاء الرّبّ (21 نيسان/أبريل 2011): أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 103 (2011)، 321.

[216] كلمة إلى الكوريا الرّومانيّة في مناسبة عيد الميلاد المجيد (22 كانون الأوّل/ديسمبر 2025): L’Osservatore Romano، 22 كانون الأوّل/ديسمبر 2025، 6-7.

[217] راجع أعلاه، الأرقام 11-14.

[218] راجع كلمة في مؤتمر ”كرامة الأطفال والمراهقين في عصر الذّكاء الاصطناعيّ“ (13 تشرين الثّاني/نوفمبر 2025): L’Osservatore Romano، 13 تشرين الثّاني/نوفمبر 2025، 3.

[219] راجع بندكتس السّادس عشر، الرّسالة البابويّة العامّة، المحبّة في الحقيقة-Caritas in veritate (29 حزيران/يونيو 2009)، 34: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 101 (2009)، 668-670.

[220] فرنسيس، الإرشاد الرّسوليّ، سبِّحوا الله (4 تشرين الأوّل/أكتوبر 2023)، 67: أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 115 (2023)، 1059.

[221] راجع صلاة الملاك في عيد ظهور الرّبّ يسوع (6 كانون الثّاني/يناير 2026): L’Osservatore Romano، 7 كانون الثّاني/يناير 2026، 3.

[222] بندكتس السّادس عشر، التّعليم المسيحيّ أثناء المقابلة العامّة (15 شباط/فبراير 2006): L’Osservatore Romano، 16 شباط/فبراير 2006، 4.

[223] تأمّل في عشيّة الصّلاة من أجل السّلام (11 تشرين الأوّل/أكتوبر 2025): L’Osservatore Romano، 13 تشرين الأوّل/أكتوبر 2025، 2.

[224] القدّيس بولس السّادس، عظة في مزار سيّدة بوناريا المريميّ (24 نيسان/أبريل 1970): أعمال الكرسيّ الرّسوليّ 62 (1970)، 301.