zoomText
  • A
  • A
  • A
AR  - DE  - EN  - ES  - FR  - IT  - PL  - PT

الزّيارة الرّسوليّة إلى فرنسا

وزيارة مقرّ منظّمة الأمم المتّحدة للتربية والعِلم والثّقافة (اليونسكو)

25-28 أيلول/سبتمبر 2026

 

 عشيّة صلاة مع الشّباب في ”مدرّج فرنسا“ في سانت دينيس (Saint-Denis) - باريس

الجمعة 25 أيلول/سبتمبر 2026

[Multimedia]

___________________________________

حوار قداسة البابا لاوُن الرّابع عشر في عشيّة الصّلاة مع الشّباب

تأمّل قداسة البابا لاوُن الرّابع عشر في عشيّة الصّلاة مع الشّباب

_____________________________________________________

حوار قداسة البابا لاوُن الرّابع عشر

في عشيّة الصّلاة مع الشّباب

في ”مدرّج فرنسا“ في سانت دينيس (Saint-Denis) - باريس

سؤال كلوي (Chloé)

أيّها الأب الأقدس، نشكركم على حضوركم بيننا هذا المساء، وعلى هذه اللحظة من الحوار التي تتيحونها لنا.

اسمي كلوي، أبلغ من العمر 25 سنة، وأنا على وشك إتمام دراستي في الصّيدلة. أنا ملتزمة مع مجموعة من الشّباب الكاثوليك في الأحياء الشّعبية في منطقة إيل دي فرانس-Île-de-France، تُدعى المدينة السماويّة-La Cité Céleste. ننظّم، بصورة خاصّة، مناسبات متفرقة، مثل عشيّات سجود وتسبيح، تجمع عددًا كبيرًا من شباب الحيّ الذين يريدون أن يعيشوا إيمانهم ويشاركون فيه على نطاق واسع. أنا ملتزمة أيضًا في رعيّتي، لا سيّما مع الشّباب في المدارس الثّانويّة. بهذه الالتزامات المتنوّعة، يهمّني أن أضع طاقتي وكفاءاتي في خدمة الآخرين، وأن أنشئ رابطًا بين الإيمان والشّباب والواقع الذي نعيشه يوميًّا في أحيائنا.

كما يقول القدّيس بولس: "الحَياةُ عِندي هي المسيح". مع ذلك، المجتمع الذي نعيش فيه يقوم على مبادئ أخرى، بل يبدو أحيانًا غريبًا عن مسألة الله. نحن نريد أن نعلن المسيح لمن حولنا بقوّة ومثابرة، وأيضًا، بطبيعة الحال، باحترام ورِفق تجاه الذين نلتقي بهم. كيف يمكننا أن نوفّق بين قوّة اندفاعنا الإرساليّ وأصالة الحياة الأخويّة مع الذين لا يشاركوننا إيماننا؟

 

جواب قداسة البابا

أيّها الأصدقاء الأعزّاء، أوّل شيء أودّ أن أقوله هو بسيط جدًّا: شكرًا! شكرًا لله، وشكرًا لكم، وشكرًا لشجاعتكم، ولحضوركم، ولإيمانكم. أنتم قدّيسو فرنسا!

وشكرًا لكِ يا كلوي (Chloé) على سؤالك. الجملة التي اقتبستِها من القدّيس بولس ليست مجرّد قول. إنّها خلاصة حقيقيّة لحياته. ففي كلمات قليلة، مختصرة لكنّها حاسمة، أعلن تسبيحًا وصلاة، وفعل إيمان، وأشار إلى مسيرة قداسة حتّى الاستشهاد. "الحَياةُ عِندي هي المسيح" (فيليبي 1، 21): وبينما نكرّر إعلان المحبّة هذا، لنسعَ إلى أن نشارك الرّسول خبرته. في الواقع، هو يشهد لنا بأنّ الله ليس غريبًا أبدًا عن حياته، بل العكس، يلتقي به: يدعوه إليه، ويحوّله في داخله، ويرسله إلى العالم.

في هذه الدّيناميّة الرّوحيّة نحن جميعًا نشترك فيها اليوم أيضًا: صحيح، كما قلتِ، إنّ المجتمع الذي نعيش فيه يبدو غير مبالٍ بالله. لكنّ الرّبّ يسوع ليس غير مبالٍ بنا! هذا هو الأمر المهمّ الذي يمنحنا الرّجاء دائمًا. في الواقع، إنّ كون كثيرين بعيدين عن مسألة الله هو مشكلة، ولكن المشكلة أيضًا أن يكون كثيرون بعيدين عن مسألة الإنسان. كم من الأشخاص، للأسف، لا يكترثون بالقريب، ويعيشون بأنانيّة، أو يهينون الفقراء، وينفقون الخيرات في أمور باطلة. وكم من الأشخاص ينبذون البريء والمريض، ويعتقدون أنّ قيمة كلّ إنسان تتحدّد بما ينتجه. أفكّر بشكلٍ خاصّ في التزامك في الأحياء الشّعبيّة في منطقة إيل دي فرانس-Île-de-France، مع المدينة السماويّة-La Cité Céleste: فهناك، في واقع الحياة اليوميّة، وأحيانًا في خضمّ الصّعوبات، يصير إيمانكِ شهادة نابضة بالرّجاء.

الإنسان هو الذي يفقد نفسه حين يقول إنّ الله قد مات: فإن لم يكن الله معه، لم يعد للإنسان خلاص، ويضيع معنى حياته، ويتحوّل إلى طريق مسدود أو إلى العدم. أمّا الذي يقول: "الحَياةُ عِندي هي المسيح"، فيختبر العكس تمامًا. ففي المسيح، نعلم أنّ الله ليس غير مبالٍ بالإنسان أبدًا! وبيسوع، المصلوب والقائم من بين الأموات، هو يُعطي حياته نفسها، لكي نحيا. هذه هي الطّريقة لإعلان المسيح الذي يجمع بين الشّجاعة والاحترام: أن نعلنه إنجيل خلاص، وكلمة حقّ وحياة. فهذا الإنجيل بشرى سارّة للجميع، وإعلان يحرّر، وقاعدة لحياة جديدة.

في الواقع، إنجيل يسوع لا يقود إلى الصّراع، بل يدعو دائمًا إلى المغفرة: فبينما ينير مأساة التاريخ، يربّينا على العناية الأخويّة. اللقاء مع المسيح يفتح على الحوار ويهيّئ للسّلام، لأنّه يقدّم لكلّ رجل وامرأة الوعد الأكبر، الذي يحقّق كلّ رغبة: وعد الحياة الأبديّة.

أيّتها العزيزة كلوي، أيّها الشّباب والشّابات الأعزّاء، خبرة كلّ إنسان الدّينيّة تعبّر عن هذا البحث عن المعنى الذي يلهم النّفس البشريّة. ففي يسوع، فادي العالم، نجد الله وهو يتكلّم "إلى البشر كأحبّاء" (دستور عقائدي في الوحي الإلهي، كلمة الله، 2): فهو ينبوع الماء الحيّ، والنّور في الظّلمات. لذلك، في فرح الإيمان، لنصرخ معًا هذا المساء: "الحَياةُ عِندي هي المسيح". لنقل معًا: "الحَياةُ عِندي هي المسيح"!

بفضله يمكننا أن نجمع بين الاندفاع في الرّسالة وخبرة الأخوّة تجاه الذين لا يؤمنون أو ينتمون إلى ديانات أخرى. هذه الأخوّة، القائمة على الإصغاء والتّقدير المتبادل، تجد جذورها في وَحدة الأسرة البشريّة، التي عبّرت، على مرّ التاريخ، عن البُعد الدّينيّ كأنّه صفة حيّة لكلّ شعب.

إذًا، إنّ تنمية علاقة أخويّة مع الذين لا يشاركوننا إيماننا تسهم في بناء المجتمع، كما أنّها يمكن أن تصير تمرينًا على الإيمان والمحبّة، لأنّه من المستحيل أن نشهد للمسيح من دون أن نحبّ الذين نريد أن نعلنه لهم. ومن العلامات المشجّعة على هذه الأخوّة، اللقاءات التي جرت خلال السّنوات الأخيرة بين الشّباب من بلدان منطقة البحر المتوسّط.

إذًا، الرّسالة المسيحيّة ليست عائقًا أمام العيش الأخويّ معًا، بل العكس، إنّها تعزّزه، لأنّها تدعو كلّ واحدٍ، بحرّيّة، إلى أن يصغي إلى بشرى السّلام والخلاص. وبالمثل، فإنّ رسالتنا لا تتناقض مع احترام الأديان الأخرى، لأنّ الكنيسة لا تَرذُل شيئًا ممّا هو حقّ ومقدّس فيها (راجع وثيقة ”في عَصرِنا-Nostra aetate“، 2). شكرًا!

 

سؤال فرنسوا (François)

أيّها الأب الأقدس، شكرًا لقدومكم لكي تقوّونا في الإيمان وفي رغبتنا في الشّهادة للإنجيل!

اسمي فرنسوا بيجوت، وقد نشأت في ريف منطقة بورغونيا (Borgogna)، وأنا حاليًّا طالب في كلّيّة الزّراعة في يوني لاسال (UniLaSalle). أحبّ أن أكرّس وقتي لجمال الليتورجيّا، وأنا مُلتزم في خدمة أبرشيّتي بالحجّ بالدّراجة الهوائيّة الجبليّة في نيفير (Nevers)، وفي الإعداد لحجّ جديد في بورغونيا (Borgogna). أنا أيضًا قائد كشّافة ومُلتزم في العمل الرّعويّ الجامعيّ في مدرستي.

نحن الشّباب، نريد أن نلتزم في خدمة الأشدّ ضعفًا، وفي خدمة السّلام في بلدنا وفي العالم، وفي خدمة كنيسة المسيح! مع ذلك، يَصعُبُ علينا مرارًا أن نفهم كيف نوجّه حياتنا لكي نبذل ذاتنا من دون تحفّظ، وبأمانة، ومن دون أن نتشتّت أو نفقد الشّجاعة، إذ تبدو المهمّة أحيانًا هائلة. ففي كثير من الأحيان، القلق وعدم اليقين يجعلان حماس شبابنا ضعيفًا. أيّها الأب الأقدس، كيف نميّز ونعرف المكان الذي ينتظرنا فيه الرّبّ يسوع لكي نخدم ونقدّم حياتنا؟

 

جواب قداسة البابا

هل يوجد هنا الكثير من الكشّافة؟ حسنٌ جدًّا، أهلًا وسهلًا بكم!

أوّلًا، أشكركم كثيرًا على التزامكم. إنّه لمن دواعي سروري أن أراكم بهذا العدد الكبير، مدفوعين برغبة أن تضعوا أنفسكم في خدمة السّلام، الذي يجعلنا ننمو رجالًا ونساءً، ونحوّل المخاوف إلى رجاء، والتذمّر إلى مسؤوليّة. اليوم، هذه الرّسالة الكبرى هي أكثر إلحاحًا من أيّ وقت مضى، لأنّها تدعونا إلى أن نبحر، ونميّز، في قلب التحوّلات التكنولوجيّة والرّقميّة الرّاهنة، من دون أن ننتقص من إنسانيّتنا. لا سيّما عندما نكرّس أنفسنا لحماية الأصغر سنًّا والأكثر ضعفًا، ندرك ضعفنا نحن أيضًا، ذلك الضّعف الذي يجمعنا جميعًا. هذا الضّعف المتأصّل في الحياة البشريّة لا يخيفنا، بل يوحّدنا كمخلوقات تكتشف أنّها إخوة وأخوات في المسيح. فالمسيح هو أوّل من بذل ذاته لنا، والعلامة الحيّة لهذه النّعمة هي الإفخارستيّا، "ينبوع وقمّة كلّ حياة مسيحيّة" (نور الأمم، 11). من هذا السّرّ المقدّس، الذي يعزّز إيماننا، نستمدّ القوّة لكي نبذل ذاتنا، بدورنا، في خدمة القريب، مقتدين بمجّانيّة الرّبّ يسوع. والبحث عن العدل والسّلام يُلزمنا بأن ندرك الصّراعات التي نعيشها نحن أنفسنا، وأن نطهّر قلبنا. وعندما نلتزم في خدمة الله والآخرين، إذّاك تجد جراحنا التّعزية والفداء.

لا يوجد فشل يعجز الله عن النّهوض بنا منه: فرحمته هي فرحنا. ومع ذلك، تكلّمتم اليوم على القلق وعدم اليقين كعقبتَين أمام حماسكم. إنّهما حالتان من الشّعور انتشرتا كثيرًا بسبب عدم استقرار المشاريع المتعلّقة بالمستقبل، وطبيعة العواطف المؤقّتة، وضعف العلاقات. وتضاف إلى هذه المشاعر مشاعر أخرى تثقل كاهل جيلكم، مثل الإرهاق النّاجم عن الشّاشات، والقلق أمام التّغيّرات المناخيّة أو أمام الوضع الاقتصاديّ والدّولي. نعم، يجب علينا أن نصغي بانتباه إلى هذه المشاعر. أدعوكم جميعًا، أيّها الشّباب والشّابات الأعزّاء، إلى أن تبقوا قلوبكم مفتوحة أمام آلام رفاقكم. وفي الوقت نفسه، تصير خبرة الضّعف، كلّ ضعف، بالنّسبة إلى تلميذ المسيح، فرصة للشّهادة. من يتبع يسوع في طريق الخدمة المتواضعة والمجّانيّة يتحرّر من القلق، ويستعيد حماسًا جديدًا، ويختبر الفرح والسّلام الدّاخليَّين: وهما ليسا مشاعر عابرة أو ذاتيّة، بل هما متجذّران في يقين الإيمان الذي نشهد له معًا ككنيسة.

نعم، نحن معًا نكوّن الكنيسة: ضعيفة ومقدّسة، مثل آنية من خزف تحمل كنزًا (راجع 2 قورنتس 4، 7). القدّيس بولس هو الذي يذكّرنا من جديد بأنّنا، في الضّعف تحديدًا، نكون أقوياء (راجع 2 قورنتس 12، 10). لا سيّما في أوقات الصّعوبة، الله يعزّز حرّيّتنا ويشجّعنا بنعمته. فقد أراد أن يعيش إنسانًا، لكي نستطيع أن نحيا معه، إلى الأبد، شهودًا فرحين للرجاء.

أيّها الأصدقاء الأعزّاء، إنّ تمييزنا يتحقّق في هذه الصّداقة مع يسوع، وهو تأمّل يتمّ بالتضرّع إلى الرّوح القدس. إنّه تمرين مستمرّ لكي نسير بطريقة منتظمة وآمنة.

كيف نميّز تمييزًا صحيحًا؟ أوّلًا، تذكّروا أنّ كلمة الرّبّ يسوع هي دائمًا سراج لخطانا (راجع مزمور 119، 105). في ضوء الإنجيل، تمرّ التّنشئة الرّوحيّة عبر الصّلاة والخدمة، والسّجود والعمل، والصّمت، ذلك الصّمت النّادر جدًّا والضّروريّ جدًّا، بعيدًا عن ضجيج وسائل الإعلام، والإعلان.

ثمّ، انظروا إلى مثال القدّيسين: ففي ظلّ الاضطهاد أيضًا، فتح لنا هؤلاء الإخوة والأخوات طرقًا للسّلام. انظروا إلى الكهنة المتّقدين حبًّا للمسيح، مثل القدّيس أيوجين دي مازينود (Eugène de Mazenod) والقدّيس جان ماري فيانّي (Jean-Marie Vianney)، وانظروا إلى الجمال الصّوفيّ للقدّيسة تريزا الطّفل يسوع، وإلى الطّوباويّة بولين جاريكو (Pauline Jaricot)، المتّقدة بالمحبّة والرّسالة، وإلى شجاعة الشّهداء الخمسين في الرّسالة، في زمن الحرب العالميّة الثّانية، الذين خدموا إخوتهم حتّى بذلوا حياتهم. لقد غيّر هؤلاء القدّيسون التّاريخ، فنقلوا كثيرين من الألم إلى الرّجاء، لأنّهم غيّروا، قبل كلّ شيء، قلوبهم، وحوّلوها في نور الإيمان.

أيّها الشّباب والشّابات الأعزّاء، بينما تبحثون عن دعوتكم، كونوا متأكّدين من أنّ الرّبّ يسوع لا يكلّمكم بطريقة غامضة، بل يتوجّه إلى كلّ واحد منكم، ويدعوكم إلى أن تتبعوه لأنّه يحبّكم. فإن قبلتم إنجيله بعقل صافٍ وقلب نقيّ، ستفهمون كيف يدعوكم يسوع إلى الخدمة. إنّها دائمًا عطيّة حياة: عطيّة كاملة، وأمينة، وممتلئة بالمحبّة. ولكي تتغلّبوا على القلق وعدم اليقين، تحلّوا بالشّجاعة لتقولوا كلمة واحدة، بسيطة وجميلة: شكرًا. شكرًا، يا يسوع، على محبّتك.

لذلك، نستطيع الآن، ومن دون خوف، بل بثقة ونحن ممتلئون فرحًا، أن نقول جميعًا معًا، على خطى القدّيسين: ”هاءنذا، يا ربّ!“

كلّنا معًا: ”هاءنذا، يا ربّ!“

أتوجّه إلى الذين من بينكم، وهم كثيرون هنا هذا المساء، الذين يشعرون بالدّعوة إلى اتّباع يسوع في الطّريق الضّيّق، طريق الكهنوت أو الحياة المكرّسة. أيّها الأصدقاء الأعزّاء، الكنيسة في فرنسا تحتاج إليكم كثيرًا! إنّها تصلّي من أجلكم، وتنتظركم. أيّها الأصدقاء الأعزّاء، لا تخافوا من هذه الدّعوة! تحلّوا بالشّجاعة، وثقوا بيسوع الذي يريد أن يجعلكم أصدقاءه المقرّبين: هو لن يخيّبكم، وسيكون دائمًا إلى جانبكم، وحياتكم ستكون جميلة ومثمرة بصورة رائعة.

في الختام، يمكننا أن نستعيد هذه الصّلاة التي سلّمنا إيّاها القدّيس البابا يوحنّا بولس الثّاني: "أيّها المعلِّم، أنتَ الذي تحبّ الإنسان وتحترمه، وشاركتَ الإنسان آلامه، وتُنير سرّ الحياة البشريّة، اجعلنا نكتشف المعنى الحقيقيّ لحياتنا ولدعوتنا!" (عظة في اليوم العالميّ الثّاني عشر للشّباب، باريس، 24 آب/أغسطس 1997). شكرًا!

 

_________________

تأمّل قداسة البابا لاوُن الرّابع عشر

في عشيّة الصّلاة مع الشّباب

في ”مدرّج فرنسا“ في سانت دينيس (Saint-Denis) - باريس

الجمعة 25 أيلول/سبتمبر 2026

في الليل، يبدو لنا النّور أكثر إشراقًا. هكذا، أيّها الشّباب والشّابات الأعزّاء، أصغينا معًا إلى كلام القدّيس بولس. نريد أن نرفعه عاليًا، مثل شعلةٍ تنير ليس فقط صلاة كلّ واحد منّا، بل كلّ تاريخ الكنيسة. الرّسول ينظر إلى زمنه، ويتقبّل الوحي الإلهيّ، أي الرّوح القدس، الذي يفتح دائمًا آفاقًا مشرقة للمستقبل. نعم، الله هو ربّ التّاريخ، ومهما يحدث، فهو يقوده نحو الخلاص: ففي المسيح لكلّ شرّ نهاية، لأنّ النّهاية تصير بداية حياة جديدة وأبديّة.

أيّها الأعزّاء، لكي ننير عصرنا ونحوّل الحاضر في نور الرّوح القدس، لنتذكّر أوّلًا أنّنا نحن أيضًا، مثل طيموتاوس، رجال ونساء لله. هذه العبارة – لله – التي اختارها القدّيس بولس، تعني علاقةً، لا امتلاكًا. فمن يعيش مع الله هو حرّ: حرّ من كلّ ما يَظلِمُ الحياة، فيجعلها فارغة وبلا معنى. يا شباب فرنسا، احملوا في قلوبكم رغبةً هائلة في الحرّيّة، وهي كلمة يتردّد صداها بقوّة في ثقافتكم. فما هو إذًا ينبوع الحرّيّة الحقيقيّة؟ يسوع يدلّنا عليه بوضوح عندما يقول لنا إنّ الحقّ هو الذي يحرّرنا (راجع يوحنّا 8، 32)، وإنّه هو نفسه هو الحقّ (راجع يوحنّا 14، 6). إذًا، هذا هو ينبوع الحرّيّة الحقيقيّة: العلاقة الحيّة مع يسوع.

في الواقع، مرافقة الرّبّ يسوع تعطي الحكمة لمشاريعنا، والجمال لرغباتنا التي نحملها في قلوبنا. الله يجتاز نفوسنا مثل النّور، ويدعونا إلى تجديد دائم، وإلى توبة تعطي معنًى كاملًا لحياتنا، لأنّها تجعلنا فاعلين في تاريخ ينتقل من الارتباك إلى البحث عن الحقيقة، ومن اللامبالاة إلى الالتزام بالعدل. القدّيس بولس يعبّر عن ذلك بثلاثة أفعال، تدعو إلى حرّيّتنا: اهرب، اطلب، جاهِد.

كتب الرّسول إلى طيموتاوس: أوّلًا، "اهرُبْ مِن ذلِك"، أي من الكبرياء والباطل والعنف والجشع (راجع 1 طيموتاوس 6، 4. 10). كلّها مشاعر تقبض علينا وتمتلكنا. فالأنانيّة التي تميّزها تخفي وراءها وحدةً مخيفة. ولكي نتذوّق قرب الله والأخوّة الإنسانيّة، يجب علينا إذًا أن نرفض ذلك الطّمع الذي يدمّر العلاقات من دون أن يمنح شيئًا، ويمتلئ بأمور لا تغذّينا. هذا النّمط من الحياة يدفعنا إلى امتلاك كلّ شيء، من دون أن نكون أيّ أحد، وإلى أن نتلقّى عددًا هائل من علامات الإعجاب (like)، ولكن نبقى وحيدين مع أنفسنا.

عندما نقرّر ألّا نتبع هذا الأسلوب، نبدأ عندئذٍ في طلب "البِرَّ والتَّقْوى والإِيمانَ والمَحَبَّةَ والصَّبْرَ والوَداعة" (الآية 11). نعم، من يعيش مع الله يطلب الأفضل: يكون في حالة تدريب مستمرّ. رغبته تتوق إلى الفضيلة، أي إلى القوّة التي تجعله صالحًا وصادقًا. أيّها الأصدقاء الأعزّاء، الدّيناميّة التي تميّز الحياة المسيحيّة تحمل اسمًا محدّدًا: تُسمّى مسيرة القداسة. إنّها المسيرة التي يفتحها الرّبّ يسوع أمام كلّ واحد منّا، ويرافقنا فيها على طول الطّريق. وكم من أبناء وبنات هذه الأرض الفرنسيّة الحبيبة سمحوا بأن يقودهم الرّبّ يسوع في هذه الطّريق! لنفكّر، مثلًا، في الطّوباويّ مارسيل كالّو (Marcel Callo)، وهو شابّ فرنسيّ وفي الكشّافة وعامل، لم يتوقّف قطّ، في ظلمة معسكر الاعتقال، عن طلب الخير، وبقي حرًّا في داخله.

كلّما تقدّمنا في مسيرة القداسة هذه، يتّضح لنا أنّ تجنّب الشّرّ وحده لا يكفي: بل يجب علينا أن نختار الخير. ليس الأمر مبدأ مجرّد، ولا قولًا بديهيًّا: بل إنّ اختيار الخير هو جوهر عمل الحرّيّة، وبالقيام به تتحقّق الحرّيّة نفسها، وتصحّح ذاتها وتنضج. ولكي تختاروا الخيار الصّالح، تذكّروا هذا المعيار: الخير يُعطي الحياة، ولا يسلبها أبدًا، والخير يعتني بغيره، ولا يأخذ لنفسه. الخير ليس مفهومًا جميلًا، بل هو وجه المحبّة المشرق: إنّه الله نفسه! الفضائل التي يشير إليها القدّيس بولس على أنّها انعكاسات لصلاحه، هي: البرّ تجاه البشريّة، والتّقوى والإيمان تجاه الله، والمحبّة تجاه الجميع، والصّبر تجاه الذين يجعلوننا نتألّم، والوداعة التي تميّز الذين يسعون إلى السّلام بقلب نقيّ. هنا تجد مبادئ المساواة والأخوّة التي تلهم مجتمعكم أساسها: فهي، أكثر من كونها مجرّد أحكام قانونيّة، إنّها خيارات جذريّة وشجاعة في قلب حرّ. أن نجعل هذه الصّفات صفاتنا، ليس فقط التزامًا أخلاقيًّا، بل هو اختيار لنكون رجالًا ونساءً أصيلين، أحرارًا من المساومات.

وهنا، يقول لنا الرّسول الفعلَ الثّالث: جاهِدوا. في الواقع، الهروب من الشرّ وطلب الخير يتطلّبان الجهاد. نعم، الجهاد، كما جاهد القدّيس بولس، الذي يُصوَّر مرارًا وهو يحمل سيفًا في يده، علامةً لكلمة الله، "سيف الرّوح" (أفسس 6، 17). وهذا الفعل يتردّد صداه بقوّة هنا في فرنسا، أرض القدّيسة جان دارك، الشّابّة التي عرفت كيف تجاهد بشجاعة. ولكن تنبّهوا: الجهاد الذي نحن مدعوّون إليه هو جهاد الإيمان، أي الالتزام بأن نعيش بحسب الإنجيل، مثل تلاميذ ليسوع، ابن الله الذي يجعلنا جميعًا إخوةً وأخوات. وباسمه نملك قوّة الأبرار لكي نقاوم التجربة. وباسمه نملك ثبات الودعاء لكي نكرّس أنفسنا للخير. إنّ جهادنا ليس جهادًا ضدّ الآخرين، ولا يلجأ إلى أسلحة العنف أو الازدراء أو القمع. سلاحنا الوحيد هو سلاح المحبّة التي تبذل ذاتها. نعلم، للأسف، أنّ هناك قوى تعارض علاقتنا مع الله، وسُلطات تسعى إلى تقسيم الأفراد والشّعوب، ووضعهم في مواجهة بعضهم تجاه بعض. هذه الشّرور لا تَظهر دائمًا في وجه عنيف فحسب، بل قد تتّخذ أحيانًا مظهرًا خبيثًا، لأنّها تعد تحديدًا بما تسلبه منّا، أي السّعادة. لكن، عندما نشعر بأنّ ظلامها يحيط بنا، نور الرّوح القدس ينيرنا ويعزّينا: لذلك، لنختر هذا المساء معًا الفضائل التي يجب علينا أن ننمّيها لكي نتبع الرّبّ يسوع.

لسنا وحدنا في مسيرة القداسة هذه، لأنّنا نسلكها متّحدين بجميع إخوتنا وأخواتنا الذين يحيطون بنا. أنتم تختبرون ذلك هذا المساء، وأيضًا في التجمّعات الكبرى، مثل الأيّام العالميّة للشباب. لدينا أيضًا القدّيسون حلفاء لنا: إنّهم أصدقاء يساندوننا في المحنة. أيّها الأعزّاء، عندما تتطلّب خيارات الحياة شجاعة، اطلبوا شفاعتهم واقتدوا بمثالهم: كما رتّلنا في الطّلبات، فإنّ تشجيع القدّيسين يؤكّد لنا أنّنا لسنا وحدنا أبدًا في الصّلاة، ولا في الكنيسة. في هذا الوقت بالتّحديد، لنطلب مساعدتهم لكي نكون صانعي سلام: وهذا شوق الله الأزليّ، والتزام البشريّة الدّائم! ذكرتُ في هذا المساء بعضًا منهم. لنطلب أيضًا من القدّيسة تريزا الطّفل يسوع أن تعلّمنا ”طريقها الصّغير“ للمحبّة اليوميّة، وهي الأساس المتين لكلّ سلام دائم.

هذا السّلام يحقّقه الله في العهد الذي يبرمه معنا جميعًا بيسوع المسيح. لذلك، عندما أشار القدّيس بولس إلى أساس خبرتنا الإيمانيّة، لم يتكلّم فقط عمّا يمكننا نحن أن نعمله استجابةً لله، بل أيضًا عمّا يعمله الله من أجلنا. لخّص الرّسول ذلك في حدث واحد: يسوع أمام بيلاطس، حقيقة المحبّة أمام رياء السّلطة. وهكذا، يتطابق "الجهاد الحسن" مع "الشّهادة الحسنة" (راجع 1 طيموتاوس 6، 12-13). يبرهن على ذلك استعمال الصّفة نفسها: καλός، التي تعني هنا أحسنت صنعًا. فالعمل الذي صنع على نحو حسن، أي العمل الصّالح، هو الفداء الذي يتمّمه يسوع من أجلنا. في جهاده ضدّ الخطيئة والموت، يحرّرنا انتصار المسيح جميعًا: فهو يخلّصنا من كلّ شرّ، ويدعونا إلى كلّ خير.

في هذا النّور، لننظر إلى الذّخيرَتَين اللتَين أُحضرتا أمامنا: القميص والصّليب. إحداهما هي ما أُخذ من المسيح، والأخرى هي ما أُعطي للمسيح. بهذا المعنى، فإنّهما معًا علامتان لآلامه: فقد جُرّد يسوع من قميصه لكي يكسونا نحن بالثّوب الأبيض، المغسول "بِدَمِ الحَمَل" (رؤيا يوحنّا 7، 14). هكذا صار الصّليب، الذي كان أداةً للموت، علامةً للرّجاء: لذلك، القميص والصّليب معًا يمثّلاننا نحن، الكنيسة التي تولد من حياة الله والممنوحة للعالم. أيّها الشّباب والشّابات الأعزّاء، لكي تنموا في القداسة وتغيّروا مجتمعنا نحو الأفضل، كونوا شهودًا منيرين لهذا الإنجيل، أي لهذه البشرى السّارّة التي هي المسيح نفسه، مخلّصنا: الذي "لَه الإِكرامُ والعِزَّةُ الأَبَدِيَّة. آمين" (1 طيموتاوس 6، 16).

 

***********

© جميع الحقوق محفوظة – حاضرة الفاتيكان 2026